مقالات الرأي

الأمن الغذائي في ليبيا.. التحذير لا يكفي



بقلم / فرج بوخروبة

الرجل الذي خرج آخر النهار ليشتري كيلو طماطم، وربطة جرجير، وبعض الفاكهة، لم يكن يفكر في السياسة، ولا في أسعار النفط، ولا في الخلافات التي لا تنتهي. كل ما كان يشغل باله أن يعود إلى بيته بما يسد حاجة أسرته. لكنه، مثل آلاف الليبيين، أصبح يحمل سؤالًا لم يكن مطروحًا قبل سنوات: هل ما اشتريته غذاء، أم مجرد سلعة لا أعرف كيف زُرعت، ولا من أين جاءت، ولا ماذا خالطها قبل أن تصل إلى مائدتي؟

هذا السؤال وحده يكشف حجم الأزمة. فالأمن الغذائي لا يعني أن تكون الأسواق مليئة بالبضائع، وإنما أن يكون ما فيها صالحًا للأكل، وآمنًا على صحة الناس. فما قيمة وفرة الخضراوات والفواكه، أو اللحوم والأسماك، أو المواد الغذائية المعلبة، إذا كان المواطن يشتريها وهو لا يملك أدنى قدر من الثقة فيما يضعه أمام أطفاله؟

قبل فترة خرجت الجهات المختصة بتحذيرات واضحة من بعض المبيدات الزراعية والأسمدة والمعالجات الكيميائية التي تشكل خطرًا على الإنسان والبيئة، وطالبت بعدم استخدامها وسحبها من التداول. كان ذلك موقفًا مطلوبًا، لكنه فتح بابًا لسؤال أكبر: إذا كانت هذه المواد خطيرة إلى هذا الحد، فمن الذي سمح بدخولها إلى ليبيا؟ وكيف وصلت إلى مخازن التجار ثم إلى المزارع؟ ولماذا لم تُكتشف إلا بعد أن أصبحت جزءًا من دورة الإنتاج الزراعي؟

هنا تبدأ القضية الحقيقية. الدولة لا تحمي الناس عندما تحذرهم بعد وقوع الخطر، بل عندما تمنع الخطر قبل أن يدخل البلاد. فالمبيدات المحظورة لا تعبر البحر وحدها، والأسمدة المجهولة لا تجد طريقها إلى المزارع من تلقاء نفسها. هناك مستورد، وهناك إجراءات، وهناك منافذ، وهناك جهات رقابية، وكل حلقة من هذه الحلقات كان يفترض أن توقف تلك المواد قبل أن تصل إلى يد المزارع.

المعالجة لا تبدأ بالتحذير، وإنما تبدأ بالمحاسبة.

من استورد هذه المواد؟ ومن أجاز دخولها؟ وهل خضع للمساءلة؟ وهل مُنع من تكرار ذلك؟ هذه أسئلة من حق الناس أن تعرف إجابتها، لأن صحة المجتمع لا يجوز أن تكون ملفًّا يغلق بمجرد صدور بيان صحفي. فكل مرة يقتصر الأمر على التحذير دون إعلان نتائج التحقيق أو محاسبة المتسببين، تتكرر القصة من جديد، ويتحول الخطأ إلى أمر مألوف.

المزارع الليبي لا يجوز أن يكون هو المتهم الوحيد في هذه القضية. كثير من المزارعين يشترون ما يُعرض عليهم في الأسواق على أنه منتج مسموح بتداوله. فكيف يُطلب منهم التمييز بين مادة مسموحة وأخرى محظورة، بينما الأجهزة المختصة هي التي تمتلك المختبرات والخبراء والسلطة القانونية؟ مسؤولية المزارع تبدأ من حسن الاستخدام، أما مسؤولية الدولة فتبدأ قبل ذلك بكثير؛ عند الاستيراد، والفحص، والإجازة، والرقابة.

والأمن الغذائي لا يقف عند حدود الزراعة. فالأعلاف التي تتغذى عليها المواشي، واللحوم التي تُذبح، والأسماك التي تُعرض في الأسواق، والمواد الغذائية المستوردة، والزيوت، والألبان، والمعلبات، كلها تدخل في القضية نفسها. المواطن لا يفرق بين مصدر الخطر، لأنه في النهاية سيصل إلى المكان نفسه؛ سفرة الأسرة.

المؤلم أن المواطن أصبح الحلقة الوحيدة التي تتحمل النتائج دون أن تملك أي وسيلة للدفاع عن نفسها. لا يستطيع أن يفحص الخضروات قبل شرائها، ولا أن يعرف نوع المبيد الذي استُخدم في زراعتها، ولا ظروف حفظ اللحوم والأسماك، ولا حقيقة المواد الحافظة في كثير من المنتجات. هو يذهب إلى السوق على أساس أن هناك دولة قامت بالفحص قبله، فإذا غابت هذه الرقابة، أصبح يشتري بعينيه فقط، بينما الأخطار لا تُرى بالعين.

ثم تأتي الأسعار لتزيد الصورة قتامة. فالغذاء الذي أصبح يثير القلق لم يعد رخيصًا أيضًا. المواطن يدفع اليوم أضعاف ما كان يدفعه قبل سنوات، ومع ذلك لا يشتري الطمأنينة. يدفع أكثر، ويخرج من السوق محملًا بالأسئلة نفسها التي دخل بها.

لا يمكن أن تبقى المنافذ الحدودية مجرد ممرات لعبور كل ما يراد إدخاله إلى البلاد. هذه المنافذ هي خط الدفاع الأول عن صحة الليبيين، وإذا ضعفت الرقابة فيها، فلن تستطيع أي حملة تفتيش داخل الأسواق أن تعالج ما حدث. فالسلعة التي تجاوزت الميناء، ثم المخزن، ثم وصلت إلى المزرعة أو المتجر، تكون قد قطعت معظم الطريق، ويصبح التعامل معها أكثر صعوبة وأكثر كلفة.

الدولة لا تحتاج إلى مزيد من التحذيرات بقدر ما تحتاج إلى رقابة لا تعرف المجاملة، وإلى مختبرات تعمل باستمرار، وإلى إعلان نتائج الفحوص للرأي العام، وإلى عقوبات صارمة تطال كل من يثبت أنه أدخل مادة محظورة أو غذاءً غير مطابق للمواصفات. فمن يتاجر بصحة الناس لا يسيء إلى فرد واحد، بل يعتدي على مجتمع بأكمله.

لقد تعب الليبي من سماع أخبار الضبطيات، ثم اختفاء القضايا دون أن يعرف كيف انتهت. يريد أن يرى القانون وهو يعمل، لا أن يسمع عنه فقط. يريد أن يعرف أن من أخطأ قد حوسب، وأن من عبث بغذاء الناس لن يجد فرصة لتكرار ما فعل.

في النهاية، لا يطلب المواطن شيئًا فوق حقه. يريد أن يشتري خضارًا لا يخاف منه، وفاكهة لا يتردد في تقديمها لأطفاله، ولحومًا وأسماكًا ومواد غذائية يعرف أن جهة مسؤولة وقفت وراء سلامتها قبل أن تصل إليه. هذا ليس مطلبًا سياسيًّا، ولا شعارًا إعلاميًّا، بل هو أبسط حقوق الإنسان.

فالدولة التي تعجز عن حماية لقمة مواطنيها، ستجد نفسها عاجزة عن إقناعهم بأنها قادرة على حمايتهم في أي شيء آخر. ومن هنا تبدأ كل الحكاية.

زر الذهاب إلى الأعلى