مقالات الرأي

توحيد المؤسسة العسكرية الليبية خطوة محورية نحو استعادة الدولة



بقلم / فرج بوخروبة

يمثل توحيد المؤسسة العسكرية الليبية أحد أهم المسارات الوطنية الرامية إلى استعادة استقرار الدولة وترسيخ سيادتها بعد سنوات من الانقسام والصراع. فمنذ عام 2011 شهدت ليبيا تراجعًا في فاعلية مؤسساتها الأمنية والعسكرية، الأمر الذي انعكس على المشهد السياسي والاقتصادي، وأوجد بيئة سمحت بانتشار السلاح وتعدد مراكز القوة. وفي ظل هذه الظروف، أصبح وجود مؤسسة عسكرية وطنية موحدة ضرورة استراتيجية لضمان بسط سلطة الدولة وحماية أمنها القومي، بما يمهد الطريق لإطلاق عملية سياسية مستقرة وتحقيق التنمية المنشودة.

وتكتسب اللقاءات العسكرية التي تجمع القيادات والضباط من مختلف مناطق البلاد أهمية خاصة، لأنها توفر مساحة للحوار المهني بعيدًا عن الاستقطابات السياسية. كما تسهم في بناء جسور الثقة بين أبناء المؤسسة العسكرية، وتفتح المجال لتنسيق الجهود في مواجهة التحديات الأمنية المشتركة، وفي مقدمتها الإرهاب، والجريمة المنظمة، وتهريب البشر والأسلحة، إضافة إلى تأمين الحدود الليبية الشاسعة التي تمثل إحدى القضايا الأكثر حساسية على مستوى الأمن الوطني والإقليمي.

وتعكس هذه اللقاءات، في جانب منها، رغبة متزايدة لدى العديد من العسكريين في إعادة بناء مؤسسة وطنية تقوم على المهنية والانضباط واحترام التسلسل القيادي، بعيدًا عن الانقسامات الجهوية أو الحسابات السياسية. فنجاح أي مشروع لإعادة بناء الدولة يتطلب مؤسسة عسكرية موحدة يكون ولاؤها للوطن، وتعمل وفق القانون بما يضمن حماية المواطنين وصون مؤسسات الدولة.

غير أن تحقيق هذا الهدف لا يخلو من تحديات كبيرة تراكمت خلال سنوات الصراع. فعملية توحيد المؤسسة العسكرية تحتاج إلى رؤية وطنية شاملة تتضمن إعادة هيكلة الوحدات العسكرية، ودمج العناصر المؤهلة من التشكيلات المسلحة وفق معايير مهنية واضحة، مع تطوير منظومة التدريب والتأهيل، وإنشاء غرف عمليات مشتركة قادرة على التنسيق بين مختلف المناطق العسكرية. كما تتطلب هذه العملية توفير إرادة سياسية داعمة، وبيئة قانونية تضمن تنفيذ مخرجات الحوار العسكري بصورة متوازنة وعادلة.

ومن شأن التقدم في هذا المسار أن يبعث برسائل طمأنينة إلى المواطنين وإلى المجتمع الدولي بأن الليبيين قادرون على معالجة خلافاتهم من خلال الحوار والمؤسسات الوطنية. كما أن توحيد المؤسسة العسكرية يسهم في الحد من التدخلات الخارجية التي وجدت في الانقسام الداخلي فرصة لتوسيع نفوذها، ويعزز قدرة الدولة على اتخاذ قراراتها السيادية بعيدًا عن الضغوط والمصالح المتعارضة.

وتؤكد التجربة الليبية أن تشتت القوى العسكرية كان أحد أبرز العوامل التي ساهمت في إطالة أمد الأزمة السياسية. لذلك، فإن استمرار الحوار بين القيادات العسكرية من الشرق والغرب والجنوب يمثل خطوة عملية نحو بناء الثقة، وليس مجرد إجراء بروتوكولي. وتشمل الملفات المطروحة في هذا الحوار قضايا محورية، مثل توحيد القيادة العسكرية، وتنظيم أوضاع التشكيلات المسلحة، ووضع استراتيجية وطنية لحماية الحدود والمنشآت الحيوية، بما يضمن استقرار البلاد ويعزز قدرتها على مواجهة التهديدات الأمنية.

ولا يقتصر أثر توحيد المؤسسة العسكرية على الجانب الأمني فحسب، بل يمتد إلى الاقتصاد الوطني. فالاستقرار الأمني يعد شرطًا أساسيًا لاستمرار إنتاج النفط وحماية الحقول والموانئ من الإغلاقات أو التهديدات، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على الإيرادات العامة للدولة. كما أن توفير بيئة آمنة يشجع الاستثمارات المحلية والأجنبية، ويدعم مشاريع إعادة الإعمار، ويسهم في خلق فرص عمل جديدة، خاصة لفئة الشباب الذين يمثلون ركيزة التنمية المستقبلية.

وفي هذا السياق، أثبتت المبادرات العسكرية المشتركة، وفي مقدمتها أعمال اللجنة العسكرية المشتركة (5+5)، أن الحوار المهني قادر على تحقيق نتائج ملموسة عندما تتوافر الإرادة الوطنية. فقد أسهمت هذه الجهود في معالجة عدد من الملفات الأمنية، وأظهرت أن لغة المؤسسة العسكرية القائمة على الانضباط والتسلسل القيادي يمكن أن توفر أرضية مناسبة للتفاهم، حتى في ظل استمرار الخلافات السياسية.

كما أن نجاح المسار العسكري من شأنه أن يهيئ الظروف أمام المسارات الأخرى، وفي مقدمتها المسار السياسي والدستوري. فوجود مؤسسة أمنية وعسكرية موحدة يسهم في توفير البيئة اللازمة لإجراء الانتخابات، وحماية مؤسسات الدولة، وتعزيز سيادة القانون، وهو ما يمنح المواطنين ثقة أكبر في مستقبل العملية السياسية ويحد من احتمالات العودة إلى المواجهات المسلحة.

وفي المقابل، فإن استمرار الانقسام العسكري يترك آثارًا تتجاوز الملف الأمني، إذ ينعكس على أداء المؤسسات الاقتصادية والمالية، ويؤثر في مستوى الخدمات العامة، ويزيد من صعوبة تنفيذ برامج التنمية والإصلاح. كما يفتح المجال أمام الجماعات الإجرامية وشبكات التهريب للاستفادة من حالة الفراغ الأمني، بما يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن الوطني ولأمن دول الجوار.

وفي ضوء هذه المعطيات، يمكن القول إن توحيد المؤسسة العسكرية يمثل أحد أهم مرتكزات بناء الدولة الليبية الحديثة، لكنه ليس المسار الوحيد لتحقيق الاستقرار. فنجاح هذه الخطوة يرتبط بتكاملها مع الإصلاحات السياسية والاقتصادية، وتعزيز استقلال المؤسسات، وترسيخ سيادة القانون، إضافة إلى وجود توافق وطني واسع يدعم مشروع الدولة ويضع المصلحة الوطنية فوق الاعتبارات الضيقة.

ختامًا، تبقى مسؤولية إنجاح مشروع توحيد المؤسسة العسكرية مسؤولية وطنية مشتركة تتطلب تعاون جميع الأطراف، ودعمًا مجتمعيًّا وسياسيًّا حقيقيًّا، إلى جانب مساندة دولية تحترم السيادة الليبية وتدعم الحلول الوطنية. وعندما تتكامل هذه العناصر، يصبح بالإمكان بناء مؤسسة عسكرية موحدة وقادرة على حماية الوطن وصون أمنه، بما يهيئ الظروف لاستقرار دائم، ويمنح ليبيا فرصة حقيقية لفتح صفحة جديدة عنوانها الأمن والتنمية ووحدة الدولة.

زر الذهاب إلى الأعلى