صيفٌ يحترق.. وشعبٌ يدفع ثمن العجز

بقلم/ يوسف امحمد الشريف
كل صيف يتكرر المشهد ذاته في ليبيا، وكأن الزمن توقف عند أزمة لم تجد طريقها إلى الحل. ترتفع درجات الحرارة إلى مستويات قاسية، ويبدأ معها مسلسل انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة، فتغرق المدن والقرى في الظلام، ويجد المواطن نفسه في مواجهة معاناة يومية أصبحت جزءًا من تفاصيل حياته. إنها أزمة لم تعد مجرد انقطاع للكهرباء، بل تحولت إلى امتحان قاسٍ لصبر الناس وثقتهم في قدرة الحكومات على إدارة أحد أهم المرافق الحيوية في الدولة.
داخل المنازل، تتعطل أجهزة التبريد، ويصبح النوم رفاهية لا ينالها الكثيرون. كبار السن والمرضى والأطفال هم أول من يدفع ثمن هذا الواقع المؤلم، بينما تتلف الأدوية التي تحتاج إلى التبريد، وتفسد المواد الغذائية، وتتزايد الأعباء المعيشية على الأسر التي تضطر إلى شراء الوقود للمولدات أو البحث عن بدائل مكلفة لتأمين الحد الأدنى من الحياة الكريمة.
ولا تقف آثار الأزمة عند حدود المنازل، بل تمتد إلى المستشفيات والمراكز الصحية، والمؤسسات التعليمية، والجامعات، والأسواق، والمصانع، وورش العمل، حيث تتعطل الأعمال، وتتراجع الإنتاجية، وتتكبد الشركات والتجار خسائر كبيرة. إن الكهرباء لم تعد خدمة ثانوية، بل أصبحت شريانًا رئيسيًّا للحياة والتنمية والاقتصاد، وأي خلل مستمر فيها ينعكس مباشرة على استقرار المجتمع بأكمله.
المؤلم في الأمر أن هذه الأزمة ليست جديدة، بل تتكرر عامًا بعد آخر، مع الوعود نفسها، والتصريحات ذاتها، والخطط التي لا يرى المواطن نتائجها على أرض الواقع. تتغير الحكومات والمسؤولون، لكن معاناة الناس تبقى ثابتة، وكأن المواطن أصبح الحلقة الأضعف التي تتحمل وحدها نتائج سوء التخطيط، وتأخر الصيانة، وضعف الاستثمار في تطوير البنية التحتية لقطاع الكهرباء.
لا يطلب المواطن الليبي المستحيل، ولا يبحث عن رفاهية زائدة، بل يطالب بحق طبيعي تكفله كل الدول لشعوبها، وهو الحصول على كهرباء مستقرة وآمنة تمكنه من ممارسة حياته اليومية بكرامة. فالدول تُقاس بقدرتها على توفير الخدمات الأساسية لمواطنيها، وفي مقدمتها الكهرباء، لأنها أساس التنمية، والتعليم، والصحة، والاستثمار، والأمن المجتمعي.
إن استمرار هذه الأزمة يفرض على الجميع مراجعة حقيقية وشجاعة لواقع قطاع الكهرباء، بعيدًا عن تبادل الاتهامات أو تبرير الإخفاقات. المطلوب اليوم هو رؤية وطنية واضحة، وخطط تنفيذية قابلة للقياس، واستثمارات حقيقية في محطات الإنتاج، وشبكات النقل والتوزيع، مع تعزيز الشفافية والمساءلة، حتى يدرك المواطن أن هناك إرادة جادة لإنهاء هذا الملف الذي طال أمده.
لقد تعب الليبيون من انتظار الحلول المؤجلة، ومن سماع الوعود الموسمية التي تتكرر مع كل صيف. فما يحتاجه المواطن ليس خطابًا جديدًا، بل نورًا يبدد الظلام، وخدمة مستقرة تعيد إليه الشعور بالأمان والثقة في مؤسسات دولته. فالكهرباء ليست امتيازًا تمنحه الحكومات، بل حق أصيل لكل مواطن، واستمرار انقطاعها بهذا الشكل لم يعد مجرد أزمة خدمية، بل قضية تمس كرامة الإنسان وجودة حياته ومستقبل الوطن بأكمله.
