مقالات الرأي

الأزمة الليبية.. هل بلغت الشيخوخة؟



بقلم/ عبدالمجيد قاسم

عندما نقول الأزمة الليبية فإننا نعني ولا شك الحالة الراهنة من الانقسام السياسي والمؤسساتي الذي تشهده ليبيا منذ أكثر من عقد من الزمان، وهي واضحة شاخصة للجميع، انعكست على المواطن الليبي في معيشته، ولم تقف عند المؤسسات التشريعية والتنفيذية وحسب، بل امتدت أخيرًا إلى الجهاز القضائي الذي انقسم هو الآخر، وعلى نحو غير مسبوق.

وأيًّا ما كان الأمر، فإن ما يلفت الأنظار في الآونة الأخيرة هذه المبادرة المدعومة من الإدارة الأقوى في العالم، وهي الإدارة الأمريكية، والمنسوبة إلى مستشار الرئيس الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط مسعد بولس، التي يبدو أنها في طريقها إلى التنفيذ، وهي تقوم على إنهاء الانقسام من خلال عمل مقاربات تستوعب الأطراف الفاعلة في الملف الليبي.

وهذه المبادرة التي سبقتها خطوات ضمن إطارها، وأهما توحيد الميزانية، والمناورات العسكرية المشتركة، ربما تكون النهاية الأقرب لأزمة مرت بمراحلها الطبيعية من الطفولة إلى الشباب إلى الكهولة حيث الركود الذي أطلق عليه وصف الانسداد السياسي، ثم الشيخوخة التي يتوقع أن تدخل ليبيا بعدها مرحلة التعافي والتشافي لتعود دولة مستقرة ذات دستور وذات مؤسسات موحدة، وهو ما نأمله جميعًا.

والأمر ليس جديدًا في التاريخ، فمعظم الدول قامت على أنقاض دولٍ سبقتها، وقد مرت بما وصفه ابن خلدون؛ مراحل من القوة ثم الشيخوخة ثم الانهيار، لتنهض من جديد كالطفل الذي يولد، وهكذا، فالأمر يمثل ظاهرة تفرضها طبيعة العمران البشري القائمة على سنة الدفع التي ذكرها القرآن الكريم بقوله تعالى في سورة البقرة: “وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ”.

وبرغم أن التفاؤل الزائد ليس مستحسنًا في حقل السياسة، فالسياسة تقوم على الاحتمالات التي تفرضها المعطيات الحقيقية على الأرض، فإن نظرة إلى ما يتم تداوله عبر تقارير الصحافة قد تنبئنا بأن الأزمة الليبية في طريقها إلى الحل، وأن الدول الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، تلك التي بتدخلها خلقت الأزمة الليبية قررت أن تنهيها، وقررت أن تنحى فيها منحىً واقعيًّا يراعي الأطراف الفاعلة على الأرض، ويراعي الجغرافيا السياسية للبلد، تلك التي تكونت خلال السنوات العشر الماضية.

والأمر لا يخلو من تدخل الأقدار التي شاءت أن يعتلي سدة الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية رئيس يرى في الأزمات والتوترات التي تحدث في أي مكان في العالم فرصةً لإبرام الصفات، وتحقيق المنافع الاقتصادية لبلده، كما أنه يسعى إلى أن يكون رجل السلام في العالم، لكن بطريقته التي صرح بها، وهي فرض هذا السلام بالقوة.

لذا، لا أستبعد أن يكون الحل قد اقترب، ولو مرحليًّا، بمعنى أن ليبيا قد تشهد فترة من الاستقرار، لكن من خلال آلية مؤقتة، قد تطول، والرهان هو على نجاح هذه الآلية في البناء لما بعدها، أي للمرحلة التي يفترض أنها مرحلة سلطة المؤسسات الدائمة غير القائمة على سلطة الأمر الواقع، وهذا ما نتمناه.

وحتى لا يفهم أن فيما طرحناه تقليلًا من دور الإرادة الليبية في حل الأزمة، فإنني أؤكد على أهمية تجاوب الأطراف الليبية مع أية مبادرة تسعى إلى إنهاء حالة الانقسام، ويصار من خلالها إلى الوصول إلى مرحلة الانتخابات، بل يمكن القول إن أية مبادرة لا تجد تجاوبًا معها من هذه الأطراف، تجاوبًا يتعدى مجرد التماهي إلى تقديم التنازلات فلن يكتب لها النجاح.

وأختم بالقول: إن هذه الفسيفساء الليبية بينها من التجانس أكثر مما بينها من الاختلاف، لذا يمكن بسهولة إعادة الصورة الليبية مكتملة لو سلمت النوايا، شريطة عدم إقصاء أي طرف من المعادلة، وإلا ظلت الصورة ناقصة مشوهة لا تكتمل سوى باشتراك الجميع وتعاونهم، وأن يكون الهدف ليس تحقيق مصالح شخصية، وإنما من أجل عودة ليبيا دولة موحدة ذات سيادة.

زر الذهاب إلى الأعلى