مقالات الرأي

كوامي نكروما: فلسفةُ الوحدة الأفريقية – الجزء الثاني



بقلم/ محمد نبيغ

القبيلة: من هويةٍ ثقافية إلى أداةٍ للتفكيك السياسي: لم يكن كوامي نكروما في يوم من الأيام معاديًا للقبيلة بوصفها مكونًا من مكونات الهوية الأفريقية أو إرثًا ثقافيًّا يعكس تنوع المجتمعات وثراءها الحضاري. فقد كان يدرك أن الانتماءات المحلية واللغوية والإثنية تشكل جزءًا أصيلًا من التاريخ الاجتماعي للقارة، وأنها لا تتعارض في ذاتها مع بناء الدولة الحديثة. غير أن اعتراضه انصبَّ على تحويل هذه الانتماءات إلى أدوات للصراع السياسي، وإلى وسائل تُستخدم لإضعاف الدولة الوطنية وإجهاض المشروع الوحدوي الأفريقي.

لقد رأى نكروما أن التنوع ليس هو المشكلة، وإنما تكمن المشكلة في الطريقة التي يُستثمر بها هذا التنوع. فحين تغيب الدولة القادرة على إنتاج مشروع وطني جامع، وتضعف المؤسسات التي تكفل العدالة والمواطنة المتساوية، تعود الولاءات الأولية لتحتل الفراغ، ويتراجع الانتماء إلى الوطن أمام الانتماء إلى القبيلة أو الجهة أو الجماعة الضيقة. وعندئذ تتحول السياسة من منافسة بين البرامج والرؤى إلى صراع بين الهويات، وتصبح الانتخابات تعدادًا إثنيًا أكثر منها منافسة ديمقراطية حقيقية.

وفي هذا السياق صاغ نكروما إحدى أكثر أفكاره عمقًا، حين اعتبر أن ضعف الهوية الوطنية الجامعة يفتح الباب واسعًا أمام الاختراق الخارجي، لأن المجتمع المنقسم على ذاته يصبح أكثر قابلية للتوظيف من قبل القوى الأجنبية التي تبحث عن أدوات محلية لتنفيذ مصالحها. فالانقسام الداخلي لا يهدد الاستقرار فحسب، بل يضعف أيضًا قدرة الدولة على اتخاذ قرارها السيادي، ويجعلها عرضة للتأثيرات الخارجية مهما امتلكت من موارد أو إمكانات.

ومن هنا كان السياسي الانتهازي، في نظر نكروما، لا يحتاج إلى مشروع تنموي أو رؤية حضارية بقدر حاجته إلى استثارة العصبيات الأولية وإحياء الانقسامات الكامنة لضمان الولاء وإعادة إنتاج السلطة. وعندما تتحول القبيلة إلى وسيلة للوصول إلى الحكم أو الاحتفاظ به، يصبح الوطن نفسه ساحة لتوزيع النفوذ والمغانم، وتغيب فكرة المصلحة العامة لصالح حسابات ضيقة لا ترى في الدولة سوى غنيمة ينبغي السيطرة عليها.

والنتيجة الهندسية لهذا المسار كانت، في نظره، شديدة الخطورة؛ إذ تنشغل المجتمعات بصراعات الهوية العمودية، بينما تُستنزف الثروات الوطنية أفقيًّا عبر منظومات اقتصادية غير عادلة، وعقود غير متكافئة، وتدفقات مستمرة للمواد الخام نحو المراكز الصناعية العالمية، دون أن تستفيد القارة من القيمة المضافة التي تنتجها مواردها الطبيعية. وهكذا يصبح الانقسام الداخلي عاملًا مكملًا للاستغلال الخارجي، لا ظاهرة منفصلة عنه.

ولهذا أكد نكروما أن بناء الدولة الحديثة لا يقتضي إلغاء الهويات المحلية أو محاربتها، وإنما إدماجها داخل إطار وطني وقاري أوسع، بحيث تتحول إلى مصدر غنى ثقافي وتنوع حضاري، لا إلى وسيلة لتقويض الدولة أو تعطيل مشروع التنمية والوحدة.

الاستعمار الجديد: حين يخرج الجندي ويدخل الوكيل: في كتابه الشهير «الاستعمار الجديد: آخر مراحل الإمبريالية»، قدّم نكروما واحدة من أكثر القراءات استشرافًا لطبيعة النظام الدولي بعد موجة الاستقلالات الأفريقية. فقد رأى أن القوى الاستعمارية أدركت أن الاحتلال العسكري المباشر أصبح أكثر كلفة وأقل قبولًا، فاتجهت إلى بناء منظومة جديدة تضمن استمرار النفوذ دون الحاجة إلى وجود عسكري دائم.

وبهذا المعنى، فإن الاستعمار الجديد لا يعتمد على الجندي بقدر ما يعتمد على الاقتصاد، والديون، والشركات متعددة الجنسيات، وشبكات التجارة العالمية، والمؤسسات المالية، والنخب المحلية التي ترتبط مصالحها ببقاء علاقات التبعية مع الخارج. ويغدو القرار الوطني، وإن بدا مستقلًا من الناحية الشكلية، مقيدًا عمليًّا باعتبارات اقتصادية ومالية وسياسية تجعل هامش السيادة محدودًا.

ورأى نكروما أن هذه المنظومة تقوم على معادلة متكررة: الإبقاء على أفريقيا مصدرًا رئيسيًّا للمواد الخام، مع إبطاء أو إعاقة بناء قاعدة صناعية مستقلة، وإدامة الاعتماد على التمويل الخارجي والتكنولوجيا المستوردة، بما يضمن استمرار انتقال الثروة من الأطراف إلى المراكز الصناعية. وبهذه الصورة لا تتوقف عملية الاستغلال، وإنما يتغير شكلها وأدواتها.

وفي هذا الإطار، اكتسبت النخب المحلية دورًا محوريًّا في تفسير نكروما؛ فهي ليست بالضرورة صانعة للاستعمار الجديد، لكنها قد تتحول إلى إحدى أدواته عندما تصبح مصالحها السياسية أو الاقتصادية مرتبطة باستمرار البنية القائمة. ومن ثم فإن أخطر صور الهيمنة ليست تلك التي تُفرض بالقوة وحدها، بل تلك التي تُعاد فيها إنتاج التبعية من داخل الدولة نفسها، عبر سياسات وقرارات تتخذها نخب وطنية لكنها تخدم، عن قصد أو بحكم البنية، مصالح خارجية أكثر مما تخدم المصلحة الوطنية.

ولهذا كان نكروما يؤكد أن معركة التحرر لا تنتهي بالحصول على الاستقلال السياسي، بل تبدأ بعده. فالاستقلال الحقيقي، في نظره، هو القدرة على امتلاك القرار الاقتصادي، وبناء قاعدة إنتاج وطنية، وتطوير المعرفة والتكنولوجيا، وإقامة مؤسسات قوية قادرة على حماية السيادة من الضغوط الخارجية، مهما اختلفت مصادرها أو أشكالها.

ومن هذا المنطلق، لم يكن نقده موجهًا إلى دولة بعينها أو قوة دولية محددة بقدر ما كان موجهًا إلى بنية عالمية تُبقي العلاقة بين المركز والأطراف غير متكافئة، وتحد من قدرة الدول النامية على تحقيق تنمية مستقلة. ولذلك ظل يرى أن أي مشروع نهضوي أفريقي لا بد أن يبدأ بتقوية الدولة الوطنية، وتعزيز التكامل القاري، وتقليص الاعتماد البنيوي على الخارج، حتى تصبح أفريقيا شريكًا في النظام الدولي لا مجرد ساحة تتنافس فيها القوى الكبرى على النفوذ والموارد.

زر الذهاب إلى الأعلى