الانتخابات ليست البداية!!

بقلم / ناصر سعيد
منذ أكثر من خمس سنوات، ظلَّ السؤال المتعلق بموعد إجراء الانتخابات يتصدر المشهد السياسي الليبي، حتى أصبح وكأنه المعيار الوحيد لقياس التقدم نحو الاستقرار، غير أن التجربة الليبية، بما حفلت به من انقسامات مؤسسية وتعدد في مراكز القرار وتنازع في الشرعيات، تقودنا إلى تساؤل مهم: هل تستطيع الانتخابات، في ظل غياب دولة موحدة وقادرة، أن تنتج استقرارًا سياسيًّا دائمًا، أم أن نجاحها يظل مرهونًا أولًا بوجود سلطة قادرة على حماية نتائجها وتحويلها إلى واقع مستقر؟
في الدول المستقرة، تمثل الانتخابات المصدر الأبرز للشرعية السياسية، إذ تمنح السلطة تفويضها الشعبي، غير أن هذه الوظيفة تفترض مسبقًا وجود دولة قادرة على تنفيذ مخرجات العملية السياسية، أما حين تغيب هذه المقومات أو تنقسم، فإن الانتخابات تتحول من أداة لإدارة التنافس السياسي إلى ساحة جديدة للصراع على الشرعية، لتعيد إنتاج الأزمة بدلًا من معالجتها.
لذلك، فإن الأولوية في المرحلة الليبية ينبغي ألا تكون الإسراع في تنظيم انتخابات قد تفتقر إلى الضمانات المؤسسية، بل العمل على بناء سلطة وطنية قادرة على فرض سيادة القانون، وتوحيد مؤسسات الدولة، وتهيئة بيئة سياسية متكافئة، بحيث تصبح الانتخابات تتويجًا لمسار بناء الدولة، لا بديلًا عنه.
ولا يعني الحديث عن “سلطة قوية” الدعوة إلى تكريس المركزية المطلقة، فالمقصود ليس قوة الأشخاص، وإنما قوة الدولة التي تعمل وفق قواعد دستورية وقانونية واضحة، وتحتكر إنفاذ القانون، وتستند إلى مؤسسات فاعلة وآليات رقابة تكفل استمراريتها.
فالدولة القوية ليست تلك التي تهيمن على المجال السياسي، وإنما التي تنظمه وتحميه، بحيث تصبح المنافسة السياسية محكومة بقواعد مستقرة، كما أن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق بمجرد وجود حكومة جديدة، وإنما بوجود مؤسسات دائمة قادرة على تنفيذ السياسات وضمان استمرارية الدولة مهما تبدلت القيادات.
وقد أثبتت تجارب الدول الخارجة من النزاعات أن صندوق الاقتراع، رغم أهميته، لا يمتلك بمفرده القدرة على بناء الدولة، فالانتخابات قد تمنح شرعية سياسية، لكنها لا توحد الانقسام القائم، ولا تضمن قبول نتائجها إذا غابت السلطة القادرة على إنفاذها، فتتحول في البيئات الهشة إلى محطة جديدة للتنازع بدل أن تكون مدخلًا لإنهاء الانقسام.
وتبدو هذه الإشكالية أكثر وضوحًا في حالة بلادنا اليوم، حيث تعاقبت المبادرات السياسية والاتفاقات الدولية والمحلية، إلا أن معظمها اصطدم بالعقبة نفسها: استمرار الانقسام المؤسسي، وتعدد السلطات، وازدواجية الإدارة، وغياب سلطة وطنية قادرة على تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، الأمر الذي حال دون تحول تلك الاتفاقات والحوارات إلى استقرار مستدام.
إن جوهر الإشكال لا يكمن في الموقف من الانتخابات، وإنما في ترتيب الأولويات. فالسؤال ليس ما إذا كان ينبغي إجراؤها، بل ما الذي يجعلها قابلة للنجاح، فإذا ظل القرار التنفيذي موزعًا بين سلطات متنافسة، واستمر الانقسام المؤسسي، فإن أي عملية انتخابية ستظل معرضة للتحول إلى نقطة خلاف جديدة بدل أن تكون نقطة انطلاق نحو الاستقرار.
ومن هذا المنطلق، يقتضي بناء السلطة المؤسسية توحيد المؤسسات السيادية والتنفيذية، وإنهاء الازدواج الإداري والمالي، وترسيخ سيادة القانون، ووضع قواعد واضحة للانتقال السياسي تكفل احترام نتائج الانتخابات وآليات تداول السلطة، كما أن إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع تظل عنصرًا أساسيًّا لنجاح هذا المسار.
وفي ضوء ذلك، تبدو الانتخابات أكثر قدرة على أداء وظيفتها عندما تأتي في نهاية عملية إعادة بناء الدولة، لا في بدايتها، فحين تتوافر مؤسسات قادرة ومستقرة، تصبح الانتخابات وسيلة لتجديد الشرعية وإدارة التنافس السياسي بصورة سلمية، أما إذا أُجريت في ظل الانقسام، فإنها قد تفتح الباب أمام دورة جديدة من عدم الاستقرار.
وفي النهاية، لا يتمثل التحدي الأكبر في الوصول السريع إلى موعد انتخابي جديد، بقدر ما يتمثل في بناء دولة قادرة على الاستمرار بعد كل استحقاق سياسي، فبناء الدولة ليس بديلًا عن الانتخابات، بل هو الشرط الذي يمنحها معناها، ويجعل نتائجها قابلة للاستمرار والتحول إلى استقرار سياسي دائم.
