مقالات الرأي

ليبيا ليست غنيمة.. والوطن لا يحتمل انقسامًا جديدًا



بقلم/ يوسف امحمد الشريف

لم تعد أزمة ليبيا مجرد خلاف سياسي عابر يمكن احتواؤه بجولة جديدة من الحوار أو باتفاق مؤقت، بل تحولت مع مرور السنوات إلى أزمة مؤسسات، وأزمة ثقة، وأزمة وطنية تهدد مستقبل الدولة نفسها. فكلما طال أمد الانقسام، ازدادت الهوة بين المؤسسات السيادية، وتراجعت قدرة الدولة على أداء وظائفها، بينما بقي المواطن الليبي هو الخاسر الأكبر في معركة لم يختر أن يكون طرفًا فيها.

لقد أفرزت سنوات الأزمة واقعًا مؤلمًا يتمثل في وجود مؤسسات متنازعة، وقرارات متضاربة، ورؤى سياسية متباعدة، الأمر الذي أضعف هيبة الدولة وأربك مسار التنمية والإعمار. ومع كل جولة جديدة من الصراع السياسي، تتراجع فرص التوافق، ويزداد القلق من أن يتحول الانقسام المؤسسي إلى واقع دائم يصعب تجاوزه.

إن أخطر ما يواجه ليبيا اليوم ليس فقط استمرار الخلاف بين القيادات السياسية، بل أن يصبح هذا الانقسام أمرًا اعتياديًّا تتأقلم معه المؤسسات والمجتمع، حتى يفقد الجميع الإحساس بخطورة ما يحدث. فالوطن لا يُقاس بعدد الحكومات أو المؤسسات المتنافسة، وإنما بوحدة قراره وسيادة قانونه وتماسك شعبه.

ويتردد بين كثير من الليبيين تخوف من أن استمرار الانقسام قد يقود، مع مرور الوقت، إلى سيناريو تقسيم البلاد أو ترسيخ واقع دولتين منفصلتين بحكم الأمر الواقع. ولا يمكن الجزم بأن هذا هو الهدف المقصود لأي طرف، لكن من المشروع التحذير من أن استمرار الأزمة دون حلول جادة قد يدفع البلاد نحو نتائج خطيرة لم يكن أحد يتمناها في البداية. فالتاريخ يعلمنا أن الانقسامات الطويلة قد تتحول تدريجيًّا إلى وقائع يصعب معالجتها إذا غابت الإرادة السياسية.

وفي المقابل، يثير صمت قطاعات واسعة من المجتمع تساؤلات مشروعة. فالشعوب ليست مجرد متفرج على مصير أوطانها، بل هي شريك في الدفاع عن وحدتها ومؤسساتها. ولا يعني ذلك الدعوة إلى الفوضى أو التصعيد، وإنما إلى رفع الصوت بالحكمة، والمطالبة السلمية بإنهاء الانقسام، والضغط من أجل تغليب المصلحة الوطنية على المصالح الضيقة.

إن ليبيا ليست ملكًا لجيل سياسي بعينه، ولا يمكن أن تكون ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات أو لتغليب المصالح الشخصية على مستقبل ملايين المواطنين. فكل يوم يمر دون توافق حقيقي يعني مزيدًا من التأخير في التنمية، ومزيدًا من هجرة الكفاءات، ومزيدًا من القلق لدى الشباب الذين يبحثون عن وطن مستقر يوفر لهم الأمل والعمل والحياة الكريمة.

لقد أثبت الليبيون في محطات كثيرة أنهم قادرون على تجاوز المحن عندما تتقدم المصلحة الوطنية على كل اعتبار. واليوم، أكثر من أي وقت مضى، تحتاج البلاد إلى خطاب يجمع ولا يفرق، وإلى قيادات تقدم التنازلات من أجل الوطن لا من أجل المكاسب السياسية، وإلى مؤسسات موحدة تستمد شرعيتها من القانون وخدمة المواطن.

إن الحفاظ على وحدة ليبيا ليس مجرد شعار يردد في المناسبات، بل مسؤولية وطنية تقع على عاتق الجميع؛ من القيادات السياسية، والمؤسسات الرسمية، ومنظمات المجتمع المدني، والإعلام، وكل مواطن يؤمن بأن الوطن أكبر من الخلافات وأبقى من الأشخاص.

ستبقى ليبيا وطنًا واحدًا بتاريخه وجغرافيته وشعبه، ولن يكون مستقبلها آمنًا إلا بدولة موحدة ومؤسسات قوية وإرادة وطنية صادقة تضع مصلحة البلاد فوق كل اعتبار. أما استمرار الانقسام، أيًّا كانت مبرراته، فلن يصنع منتصرًا حقيقيًّا، لأن الوطن إذا خسر، خسر الجميع معه.

زر الذهاب إلى الأعلى