كوامي نكروما: فلسفةُ الوحدة الأفريقية -الجزء الأول

بقلم / محمد نبيغ
مقدمة: مشروعٌ أكبر من الاستقلال: لم يكن كوامي نكروما مجرد قائدٍ قاد غانا إلى الاستقلال السياسي، ولا مجرد أحد أبرز زعماء التحرر الوطني في القرن العشرين، بل كان مفكرًا استراتيجيًّا سعى إلى بناء رؤية متكاملة لتحرير أفريقيا من منظومة الهيمنة بأشكالها المختلفة. فقد أدرك منذ وقت مبكر أن الاستعمار لا ينتهي بخروج الجيوش الأجنبية أو إنزال الأعلام الاستعمارية، وإنما يمتلك قدرة كبيرة على إعادة إنتاج نفسه بأدوات جديدة، أقل ظهورًا وأكثر تعقيدًا، عبر الاقتصاد، والحدود السياسية، والنخب التابعة، والانقسامات الإثنية والقبلية، وآليات السيطرة المالية والثقافية.
ومن هذا الإدراك العميق، لم تكن فلسفة الوحدة الأفريقية عنده مجرد خطاب تضامني أو حلمٍ رومانسي يدعو إلى التقارب بين الشعوب، وإنما كانت مشروعًا حضاريًّا شاملًا يهدف إلى إعادة بناء القارة باعتبارها فاعلًا مستقلًّا في النظام الدولي، يمتلك إرادته السياسية، وسيادته الاقتصادية، وقدرته على حماية موارده وصناعة مستقبله بعيدًا عن التبعية.
لقد نظر نكروما إلى أفريقيا باعتبارها جسدًا واحدًا قُسِّم بفعل الاستعمار إلى كيانات سياسية متفرقة، وأن بقاء هذا التفكك يعني استمرار الهيمنة الخارجية مهما تبدلت أشكالها. ولذلك أصبحت الوحدة بالنسبة إليه ليست خيارًا سياسيًّا قابلًا للتفاوض، وإنما ضرورة تاريخية ووجودية تفرضها طبيعة الصراع الدولي وموازين القوى العالمية.
شرك الاستعمار: حين تُرسم الخرائط لتفجير المستقبل: كان نكروما يرى أن الاستعمار الأوروبي لم يكن مجرد احتلال عسكري مؤقت، بل مشروعًا استراتيجيًّا بعيد المدى لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للقارة بما يضمن استمرار النفوذ حتى بعد انتهاء السيطرة المباشرة.
وقد تجلت هذه الرؤية بوضوح في الطريقة التي قُسِّمت بها أفريقيا خلال الحقبة الاستعمارية، حيث لم تُرسم الحدود وفق الامتدادات الحضارية أو الروابط التاريخية أو الثقافية بين الشعوب، بل وفق مصالح القوى الاستعمارية وحساباتها الجيوسياسية والإدارية. فتم تقسيم قبائل وشعوب متجانسة بين دول متعددة، وجُمعت جماعات مختلفة داخل حدود سياسية واحدة دون اعتبار لخصوصياتها الاجتماعية أو التاريخية، الأمر الذي أوجد بؤرًا دائمة للتوتر وعدم الاستقرار.
ومن منظور نكروما، لم تكن تلك الحدود مجرد خطوط على الخرائط، بل كانت أدوات سياسية صُممت لإنتاج أزمات مستمرة تمنع تشكل قوة أفريقية موحدة. فكلما انشغلت الدول بصراعاتها الحدودية أو الإثنية، تراجعت قدرتها على بناء التنمية، وازدادت حاجتها إلى الوساطة والتدخل الخارجي، لتظل القارة أسيرة دائرة مغلقة من الاضطراب والتبعية.
لقد فهم نكروما أن أخطر ما تركه الاستعمار لم يكن الثكنات العسكرية أو الإدارات الأجنبية، وإنما البنية السياسية التي صُممت بحيث تعيد إنتاج الصراع حتى بعد الاستقلال. وهكذا تحولت الحدود المصطنعة إلى إرث ثقيل، وأصبحت كثير من النزاعات التي عرفتها القارة امتدادًا لبنية هندسية وُضعت في زمن الاستعمار أكثر مما كانت نتاجًا لطبيعة المجتمعات الأفريقية نفسها.
ولذلك اعتبر أن تحرير الأرض لا يكتمل إلا بتحرير الدولة من القيود البنيوية التي زرعها الاستعمار داخلها، وأن السيادة الحقيقية لا تتحقق بمجرد رفع العلم الوطني، بل بإعادة بناء المؤسسات والاقتصاد والعلاقات بين الشعوب على أسس تخدم المصالح الأفريقية لا المصالح التي صيغت لخدمة القوى الخارجية.
ومن هنا جاءت قناعته بأن الاستعمار لم يكن حدثًا تاريخيًّا انتهى، بل منظومة متكاملة قادرة على البقاء بأشكال جديدة، وأن تفكيك هذه المنظومة يقتضي تجاوز الحدود النفسية والسياسية التي فرضتها الحقبة الاستعمارية، وبناء وعي قاري يعتبر أن أمن أي دولة أفريقية وتنميتها واستقرارها يرتبط عضويًّا بأمن القارة كلها.
وهكذا تحولت قضية الوحدة، في فكر نكروما، من شعار سياسي إلى استجابة استراتيجية لواقع صنعته خرائط الاستعمار، وأصبحت إعادة بناء أفريقيا تبدأ أولًا بإعادة النظر في البنية التي صممت لتبقى القارة مجزأة وضعيفة، مهما تغيرت الحكومات أو تبدلت النخب.
