مقالات الرأي

زويلة

بقلم / على االأمين صالح

تصيبك الأحاسيس الناعمة وتداعب قلبك لتجبره على تذوق الجمال، متميزة بعذوبة ورقة وغموض محبب يبعث النشوة في الأرواح، ويوقظ الحواس بين كيمياء الطبيعة وكنوز اللغة الحالمة المنسابة، عبر خطوط مرتسمة على حبات ترابها الذي يروي عطش أزمنة المقاس واللباس، ويصنع للذاكرة ناقوس تاريخ طويل أصيل مر بها ولا يزال ماكثا في أوصالها. إنها مدينة زويلة الواقعة شرقي مدينة مرزق بنحو 140 كم.
أورد المؤرخ بليني المتوفى في القرن الأول الميلادي نص اسم مدينة “شيالا” زويلة في لوح النصر الذي رفعه كورنيلوس بالبوس سنة 19 قبل الميلاد، باعتبارها إحدى المدن التي واجهت الحملة العسكرية الرومانية.
افتتحها العرب في عهد الخليفة عمر بن الخطاب على يد القائد عقبة بن نافع عام 22 هجرية، كما أعاد فتحها من جديد عام 49 هجرية، وسميت عقب الفتح الإسلامي ببلد الأشراف كما سميت بزويلة بني خطاب، ومن أبرز معالمها الأضرحة السبعة والقلعة والجامع الأبيض.
يصفها اليعقوبي في كتابه البلدان في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري بقوله: ووراء ذلك بلد زويلة مما يلي القبلة وهم قوم مسلمون، كلهم يحجون البيت الحرام ويخرجون الرقيق من الميرين والزغاويين والمرويين وغيرهم من أجناس السودان لقربهم منهم وهم يسبونهم، وبلغني السودان يبيعون السودان من غير سبي ولا حرب، ومن زويلة الجلود الزويلية وهي أرض نخل ومزدرع ذرة وغيرها بها أخلاط من أهل خراسان ومن البصرة والكوفة.
ويصفها البكري صاحب كتاب المسالك والممالك بقوله: وهي مدينة غير مسورة في وسط الصحراء و هي أول حد بلاد سودان وبها جامع وحمام وأسواق يجتمع بها الرفاق من كل جهة منها، ومنها يفترق قاصدهم و تتشعب طرقهم، و بها نخيل وبساط للزرع يسقي بالإبل، وين زويلة ومدينة اجدابية أربع عشرة مرحلة ولأهل زويلة حكمة في احتراس بلدهم، وذلك أن الذي عليه نوبة الاحتراس منهم يعمد إلى دابة فيشد عليها حزمة حطب كبيرة من جرايد النخل تنال سعفها الأرض ثم يدور بها حوالى المدينة، فإذا أصبح من الغد ركب ذلك المحترس ومن يتبعه على جمال السروج وداروا بالمدينة فإن رأوا أثرًا خارجًا من المدينة اتبعوه حتى يدركوه أينما توجه لصًا كان أو عبدًا أو أمة أو بعيرًا، وزويلة من أطرابلس بين المغرب والقبلة، ويجلب من زويلة الرقيق إلى ناحية إفريقية وما هنالك، ومبايعاتهم بثياب قصار حمر.
وورد ذكرها في كتاب الاستبصار في عجائب الأمصار في القرن السادس الهجري بأنها: مدينة كبيرة قديمة أزلية في الصحراء، تقرب من بلاد كانم وهي من السودان، وهي مجتمع الرفاق وإليها يجلب الرقيق، ومنها يخرج إلى بلاد إفريقية وغيرها من البلاد.
ويصفها الإدريسي في كتابه نزهة المشتاق بقوله: بناها عبد الله بن خطاب الهواري وسكنها هو وبنو عمه في سنة 306 هجري وهي منسوبة إلى هذا الرجل وبه اشتهر اسمها وهي الآن عامرة، وقال أيضا: ومدينة زويلة ابن الخطاب في الصحراء، وهي مدينة صغيرة وبها أسواق ومنها يدخل إلى جمل من بلاد السودان، وشرب أهلها من آبار عذبة، وبها نخل كثير، وثمرها حسن، والمسافرون يأتون بأمتعة من جهازها وجملة من أمور يحتاج إليها.
ويصفها القزويني في كتابه آثار البلاد وأخبار العباد ما ورد عن البكري، وكتب ابن سعيد بسط الأرض في النصف الثاني من القرن السابع الهجري واصفًا زويلة: بلاد فزان وهي أيضا جزائر نخل ومياه، ولها مدن وعمائر أكثر من ودان، والجميع الآن في طاعة ملك الكانم، وقاعدة فزان مدينة زويلة.
ويضيف القزويني في وصفه لمدينة زويلة بقوله: مدينة إفريقية غير مسورة في أول حدود السودان، ولأهلها خاصية عجيبة في معرفة آثار القدم، وليس لغيرهم تلك الخاصية حتى يعرفون أثر قدم الغريب والبلدي والرجل والمرأة.
كما أشار لها ابن مليح في رحلته أنس الساري والسارب من أقطار المغارب إلى منتهى الآمال والمآرب سيد الأعاجم والأعراب بقوله: يحكى أنها كانت مدينة عظيمة كثيرة النخيل وفيها مزارات وآثار تدل عليها، ويذكر أن دفات أبوابها هي القائمة على باب زويلة أحد أبواب مصر، وسميت بذلك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى