مقالات الرأي

الكهرباء.. من مشروع وطني عملاق إلى أزمة تستنزف المليارات



بقلم / عثمان الدعيكي

لم تكن الكهرباء في ليبيا مجرد خدمة عامة، بل كانت أحد أهم المشروعات الوطنية التي جسدت رؤية الدولة في بناء بنية تحتية حديثة تدعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية. فمنذ سبعينيات وثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي انطلقت خطط طموحة لإنشاء منظومة كهربائية متكاملة، رافقت النهضة العمرانية والصناعية والزراعية التي شهدتها البلاد، واستهدفت إيصال الكهرباء إلى جميع المدن والقرى والتجمعات السكانية، وربط شرق ليبيا بغربها وجنوبها ضمن شبكة وطنية موحدة. وقد تحقق ذلك عبر استثمارات ضخمة في محطات التوليد، وخطوط النقل، ومحطات التحويل، وشبكات التوزيع، حتى أصبحت ليبيا من أوائل الدول الأفريقية التي نجحت في إيصال الكهرباء إلى جميع مواطنيها تقريبًا.

وخلال العقد الأول من الألفية الجديدة شهد القطاع طفرة لافتة، إذ تضاعف إنتاج الكهرباء في ليبيا أكثر من مرتين بين عامي 2000 و2010 نتيجة النمو الاقتصادي والتوسع في الاستثمار بقطاعي النفط والغاز، وما صاحبه من تنفيذ مشروعات جديدة للتوليد والنقل والتوزيع. وبحلول عام 2010 بلغت القدرة الإنتاجية المركبة لمحطات التوليد نحو 6.8 جيجاوات (6800 ميجاوات)، وهي قدرة كانت كافية لتغطية معظم احتياجات البلاد التي تراوح حملها الأقصى آنذاك بين 5200 و5500 ميجاوات، مع وجود احتياطي تشغيلي يسمح بإجراء أعمال الصيانة دون اللجوء إلى برامج طرح الأحمال بصورة مستمرة. ورغم تسجيل بعض حالات العجز المحدودة خلال فترات الذروة نتيجة نمو الطلب بوتيرة أسرع من التوسع في الإنتاج، فإنها لم تتحول إلى أزمة مزمنة كما هو الحال اليوم.

كما نجحت الدولة في بناء واحدة من أكبر شبكات نقل الكهرباء في شمال أفريقيا، حيث ضمت المنظومة الوطنية نحو 12 ألف كيلومتر من خطوط الجهد العالي، إضافة إلى 12500 كيلومتر من شبكات الجهد المتوسط، وأكثر من 7000 كيلومتر من شبكات الجهد المنخفض، فضلًا عن مئات محطات التحويل التي ربطت مختلف المدن والمناطق بالشبكة العامة. أما المناطق النائية ذات الكثافة السكانية المنخفضة، فقد جرى تزويدها بمولدات ديزل مستقلة عندما كانت كلفة مد الشبكة إليها تفوق الجدوى الاقتصادية. كما عززت ليبيا موثوقية منظومتها من خلال مشروع الربط الكهربائي مع جمهورية مصر العربية بقدرة 240 ميجاوات عبر خط يبلغ طوله 180 كيلومترًا، في خطوة عكست التوجه نحو التكامل الإقليمي في قطاع الطاقة.

ولم يكن هذا الإنجاز وليد الصدفة، بل جاء نتيجة استثمارات تراكمت على مدى عقود في إنشاء محطات استراتيجية مثل الخمس والزاوية والسرير والزويتينة والرويس، إلى جانب محطات الدورة المركبة التي رفعت كفاءة الإنتاج وخفضت استهلاك الوقود. وتشير التقديرات إلى أن حجم ما استثمرته الدولة في إنشاء البنية الأساسية لقطاع الكهرباء حتى عام 2011 بلغ ما يعادل 15 إلى 20 مليار دولار بأسعار التنفيذ آنذاك، وهو استثمار أسهم في توفير خدمة مستقرة دعمت النشاط الاقتصادي والصناعي والزراعي في مختلف أنحاء البلاد، حتى بلغت نسبة حصول السكان على الكهرباء 99.8% وفق تقديرات البنك الدولي، وهي من أعلى النسب المسجلة على مستوى القارة الأفريقية.

واعتمدت منظومة الكهرباء الليبية -بصورة شبه كاملة- على النفط والغاز الطبيعي، حيث بلغ إنتاج ليبيا من الطاقة الأولية عام 2011 ما يعادل نحو 360 ألف غيغا واط ساعة، شكَّل النفط الخام ما يقارب 79% منها، بينما لم تتجاوز مساهمة مصادر الطاقة المتجددة 0.06%، وهو ما جعل استمرار إنتاج الكهرباء مرتبطًا بصورة مباشرة بتوفر الوقود وصيانة محطات التوليد.

غير أن هذا المسار تعرض لانتكاسة كبيرة بعد عام 2011، مع توقف عدد من المشروعات الاستراتيجية، وتعطل برامج الصيانة والعمرات الجسيمة، وتعرض بعض المرافق للتخريب، فضلًا عن حالة الانقسام الإداري والسياسي التي انعكست سلبًا على التخطيط والتمويل والتنفيذ. وفي المقابل استمر الطلب على الكهرباء في الارتفاع بفعل النمو السكاني والتوسع العمراني وزيادة الاعتماد على أجهزة التكييف، حتى تجاوز الحمل الأقصى خلال السنوات الأخيرة 8000 ميجاوات، بينما ظلت القدرة المتاحة للإنتاج أقل من الاحتياجات الفعلية نتيجة خروج عدد من الوحدات عن الخدمة وتأخر دخول مشاريع جديدة إلى التشغيل.

ورغم أن الحكومات المتعاقبة خصصت اعتمادات مالية ضخمة للقطاع، فإن النتائج لم تكن بحجم تلك المخصصات. فقد أظهرت تقارير ديوان المحاسبة والجهات الرقابية إبرام عقود بمليارات الدولارات لإنشاء محطات جديدة، وصيانة الوحدات القائمة، وتوريد المعدات، وتطوير شبكات النقل والتوزيع، إلا أن المواطن الليبي ما زال يرزح تحت وطأة الانقطاعات اليومية وطرح الأحمال، خصوصًا خلال أشهر الصيف. كما رصدت تلك التقارير العديد من الملاحظات المتعلقة بتأخر تنفيذ المشروعات، وضعف المتابعة، وتعديل العقود، وعدم الاستفادة من بعض المعدات الموردة، وهي مؤشرات تعكس خللًا في الحوكمة وإدارة الموارد، دون أن يعني ذلك بالضرورة ثبوت مسؤولية قانونية في كل حالة، إذ يبقى الفصل في ذلك من اختصاص الجهات القضائية المختصة.

واليوم لم تعد أزمة الكهرباء مجرد مشكلة فنية، بل تحولت إلى أزمة اقتصادية واجتماعية تمس حياة كل مواطن، وتؤثر في القطاع الصحي والتعليمي والإنتاج الصناعي والزراعي، وتدفع آلاف الأسر إلى الاعتماد على المولدات الخاصة ومنظومات الطاقة الشمسية لتعويض غياب الخدمة المستقرة. والمفارقة أن ليبيا، التي تمتلك أكبر احتياطي نفطي في أفريقيا وثروات هائلة من الغاز الطبيعي، أصبحت عاجزة عن توفير خدمة كهربائية مستقرة رغم ما أُنفق على القطاع خلال السنوات الأخيرة من عشرات المليارات.

إن المقارنة بين الأمس واليوم لا تهدف إلى تمجيد الماضي بقدر ما تدعو إلى استخلاص الدروس. فالدولة التي استطاعت خلال عقود بناء منظومة كهربائية أوصلت الخدمة إلى جميع أنحاء البلاد قادرة على استعادة ذلك الإنجاز إذا توافرت الإدارة الرشيدة، والتخطيط العلمي، والشفافية في التعاقدات، والرقابة الصارمة على الإنفاق، والمحاسبة الحقيقية لكل من تسبب في هدر المال العام. فالكهرباء ليست مجرد تيار يضيء المنازل، بل هي شريان التنمية، وأحد أهم مؤشرات قدرة الدولة على إدارة مواردها وتحويل ثرواتها إلى خدمات يشعر بها المواطن في حياته اليومية.

زر الذهاب إلى الأعلى