مقالات الرأي

فقراء متعلمون ومترفون أميون!



بقلم / د_ مصطفى الزائدي

كلما يزداد الأغنياء ثروة وسطوة، يتعاظم الفقراء عددًا وقهرًا، هذه ليست كلمات بلا معنى، بل واقع صرنا نشاهده ونعيشه ونتعايش معه، طبقة طفيلية تلتهم ثروات الوطن بطرق غير مشروعة، لكنها تفرض شرعيتها بقوة تلك الثروات التي استحوذت عليها في غفلة من الشعب المنوَّم بشعارات الثورة!

الشعب الليبي في غالبيته الساحقة كان يشكل طبقة واسعة متوسطة، يجتهد الناس لتأمين حياتهم في بيئة قاحلة فقيرة محدودة الموارد الزراعية والصناعية، وكان بعض القراصنة الأتراك والأوروبيين والمالطيين والصقليين واليهود يشكلون ما يشبه الطبقة الغنية، لكنهم منعزلون في واحات شاطئية محدودة.

في مرحلة الاستعمار الإيطالي سُلِّمت الأراضي الصالحة للاستزراع وكافة الأنشطة الاقتصادية إلى المستوطنين الطليان -في محاولة فاشلة لتحويل ليبيا إلى شاطئ رابع لإيطاليا – الذين نموا تحت مظلتهم ورعايتهم مجموعات من الليبيين الذين عملوا لديهم على وظيفة “كبران”، وتعني أولئك الذين يديرون أعمالهم ويشغلون الليبيين بالسخرة تقريبًا في منشآتهم ومتاجرهم وبيوتهم، تلك الفئة جمعت بعض الثروات البسيطة لتنفصل اقتصاديًّا عن بقية الليبيين، ومع هزيمة إيطاليا وخروج اليهود من ليبيا قاموا بتشغيل بقايا استثماراتهم لصالح الطليان واليهود سرًّا، مقابل نسب من الأرباح، وخلال مرحلة حكم الملك إدريس قفز أولئك إلى دوائر السلطة وتمكنوا من الاستحواذ على مقدرات الدولة، وبنوا علاقة بين السلطة ورأس المال الخاص المحدود، فبرزوا إلى حد ما دون ظهور حالة تمايز طبقي حقيقية.

بعد قيام ثورة الفاتح طُرح مشروع اشتراكي سمح للقطاع الخاص -المتكون في معظمه من تلك القاعدة التي ارتبطت بشكل أو آخر بالمستعمر- بالتعايش مع القطاع العام، في إطار الحرص على المساواة بين الليبيين في المعيشة من خلال مجانية التعليم والصحة، ودعم الغذاء والدواء، وإدارة القطاع العام للمشروعات الزراعية والصناعية الكبرى، وسيطرته على الطاقة والنقل والاتصال، وأيًّا كانت التقييمات للقطاع العام وأدائه، إلا أنه يمكن القول إن الليبيين كانوا متساوين تمامًا في شكل المعيشة، وحتى الميسورون منهم لا يستطيعون التبجح بثرواتهم بالبذخ الزائد عن الحاجة، يُشاهد ذلك بوضوح في الأفراح والأتراح، وحتى في العزومات والحفلات!

فبراير أوجدت فرصة سانحة للصوص للسطو على المال العام والخاص على حد سواء، ما أنتج طبقة غنية استحوذت على كل شيء، ساعدها في ذلك أنها نجحت في السيطرة على بقايا مؤسسات الدولة المقسمة وتسخيرها لخدمتها فقط! فظهر التمايز الطبقي بكل وضوح، وانقسم الليبيون إلى قلة مترفة تمارس البذخ والتعالي، وتغدق المال لشراء المناصب، وتستعين بالأجنبي لتأمين بقائها، وكثرة فقيرة بالكاد تحصل على قوت يومها!

أعلم أن ذلك كان من أهداف المخطط التدميري الذي نفذه الغرب في المنطقة لإحكام السيطرة عليها وإدارتها بوكلاء عنه، فالأغنياء الطارئون الذين كوَّنوا ثرواتهم بطرق غير مشروعة هم أكثر الناس قابلية للاستخدام.

رسالتي إلى الفقراء، وجلهم متعلمون ومثقفون وليسوا أميين جاهلين كما كان الحال في الماضي، أن انهضوا، فلقد وقع الفأس في الرأس!

زر الذهاب إلى الأعلى