مقالات الرأي

كأس العالم.. نظرة واقعية



بقلم/ عبدالمجيد قاسم

عن نفسي لا أرى بطولة كأس العالم سوى نوع من الترفيه، أو (ملهاة) بحسب تعبير أحد أساتذتي رحمه الله.

ولا أنظر إليها بأي معيار سوى أنها فرجة، ولا أحب هذا الاتجاه الذي يسبح ضد التيار، وبدلًا من أن يقول خيرا أو ليصمت، تراه يقتحم على الناس خصوصياتهم ويبدأ في تقريعهم على الأوقات التي يقضونها مستمتعين برؤية هذه المنافسة.

وأنا هنا لن أدخل في التحريم والتحليل، لأنه تقوُّلٌ على الله بغير علم، وأنا لا أدعي العلم، لكنني سأتناول الموضوع من جانب واقعي، جانب طبيعة الحياة التي نعيشها والتي من متطلباتها الترفيه. فالترفيه في عصرنا من الضروريات لا من الكماليات، لأننا باختصار نعيش على نحوٍ يختلف عما كان عليه أسلافنا من آدم حتى بداية القرن العشرين.

فالبشر كانت حياتهم مختلفة في كل شيء، وأكثر ما كان يميزها الحرية، برغم وجود العبودية والإقطاع والحروب والنزاعات، فلم تكن ثمة قيود على التنقل والسياحة في الأرض، فالأرض لله، والناس يتنقلون فيها بحرية تامة، والمساكن كانت مناسبة لهذه الحرية، والليل كان للنوم والراحة، والنهار للعمل والسعي.

هذا ما كان عليه أسلافنا، لذا، لم يكن لديهم وقت للترفيه، وإذا كان ثمة وقت فمحدود، ومحصور.

فإذا انتقلنا إلى عالمنا للمقارنة، فنحن اليوم على النقيض، الدول قطرية، تعني الاستقرار، لكن مقابل الاستقرار يوجد التقيد، فالناس شبه محصورين في أقطارهم، لا يتنقلون إلا بإذن (جواز)، وتأشيرة، وإقامة، فالناس مصنفون إلى مواطنين وأجانب، المواطن هو من يحمل هوية القطر، والأجنبي هو من ينتمي بهويته إلى قطر آخر، وليس للأجنبي أن يقيم سوى لفترة محدودة لسبب مشروع، وإلا تم ترحيله إلى بلده.

والناس في زمننا يقطنون في مجمعات إسمنتية، يتخللها ضوء النهار بصعوبة، ويلزم أن تتم إنارتها ليلًا بوسيلة لا تسبب حرارة، فكانت الكهرباء، فأصبح الناس بين سجن القطر وسجن السكن.

والرزق في زماننا محدود، وممنوع، ولا يمكن الوصول إليه إلا برخصة، والأقطار تدار بحكومات معقدة، ليست كما عهدت البشرية من قبل، وهذا التعقيد سببه مهام الحكومة التي تعددت لتشمل توفير متطلبات هذا السجن الكبير (القطر)، وهذه السجون الصغيرة (المنازل الإسمنتية).

لذا تضطر الحكومات إلى اتخاذ كادر وظيفي كبير لتفي بحجم التزاماتها، فخلقت الوظيفة، ومع الوقت باتت الوظيفة مصدر الرزق الأول، وأصبح الناس حبيسي ثلاثة سجون: القطر، والبيت الإسمنتي، وروتين الوظيفة، وتطلب الأمر مؤهلات للوظيفة، فبات التعليم الإجباري ضرورة، وأصبح قطاعًا مستقلًّا، وأضيفت المدرسة والتعليم إلى قائمة سجون العصر.

لذا كان الترفيه ضرورة لتقليل الضغوط، وإلا سيموت الناس كمدًا، ولأنه بات ضرورة فقد بات تجارة، والتجارة تعني التنافس والتنوع، وتعني أموالًا تُنفق لتعود بأضعافها، لذا وجدنا أصنافًا من الترفيه ومن بينها كرة القدم، التي باتت الملهاة الأكثر شعبية في العالم، حتى إن الدولة لتكون دولة ينبغي أن تحتوي بجانب الشعب والإقليم على منتخب لكرة القدم.

لذا فالأمر لا يمكن اختزاله بكلمات، أو اتخاذ موقف حدي منه دون روية، فمن منا ليس لديه أب أو أخ أو ابن أو حتى أم لا تفوت أيا منهم مباراة من مباريات المنافسة، ولماذا لا ننظر إلى النصف الممتلئ من الكوب؟! فمنافسات كرة القدم فرصة للاندماج الاجتماعي، فاللحظة التي تجتمع فيها العائلة (الأب، الأم، الأبناء) حول شاشة واحدة، هي لحظة نادرة في عصر “الشاشات الفردية” والانعزال داخل البيت الواحد.

والأمر عمومًا أكبر من احتوائه، وما على النخبة هو مكافحة الاستغراق في الترفيه، لا الترفيه ذاته، فالترفيه في عصرنا لم يعد كمالية، بل أصبح وسيلة للتعايش مع نمط حياة لم يختره الإنسان كله بإرادته.

زر الذهاب إلى الأعلى