مبادرة بولس.. الصدمة التي كشفت أوراق الساسة في ليبيا!

بقلم/ فرج بوخروبة
في اللحظات التي تبلغ فيها الأزمات ذروة تعقيدها، تظهر أحيانًا مبادرات قادرة على كسر الجمود وإعادة ترتيب المشهد السياسي من جديد. هذا ما حدث مع المبادرة التي طرحها مسعد بولس، والتي أثارت منذ اللحظة الأولى جدلًا واسعًا داخل ليبيا وخارجها، ليس فقط بسبب مضمونها، بل بسبب ما كشفته من حقائق ظلت لسنوات مخفية خلف ستار الخلافات السياسية المعلنة.
فمنذ سنوات، يعيش الليبيون حالة من الانقسام السياسي والمؤسسي أنهكت الدولة وأثقلت كاهل المواطن. وبينما تعاقبت المبادرات والحوارات والاتفاقات، بقيت النتيجة واحدة: تمديد المراحل الانتقالية وإعادة إنتاج الأزمة بأشكال مختلفة. لذلك لم يكن مستغربًا أن تحظى أي مبادرة تَعِدُ بتوحيد السلطة التنفيذية وإنهاء حالة الانقسام باهتمام واسع لدى الشارع الليبي الذي فقد الثقة في معظم الأجسام السياسية القائمة.
ما يميز مبادرة بولس أنها لا تنطلق من فكرة إدارة الأزمة، بل من محاولة تجاوزها. فهي تسعى إلى إعادة هيكلة السلطة التنفيذية وتوحيد المؤسسات المنقسمة بين الشرق والغرب، بما يفتح الطريق أمام استكمال المسار السياسي والوصول إلى الانتخابات. وبغض النظر عن الملاحظات التي يمكن تسجيلها على تفاصيلها، فإنها تطرح لأول مرة منذ فترة طويلة تصورًا يتجاوز الحسابات الضيقة للأطراف التقليدية التي احتكرت المشهد السياسي لسنوات.
ردود الفعل التي أعقبت طرح المبادرة كانت لافتة للنظر. فالأجسام السياسية التي اعتادت تبادل الاتهامات وتحميل بعضها البعض مسؤولية الانسداد السياسي، وجدت نفسها فجأة أقرب إلى موقف موحد تجاه المبادرة. مجلس النواب، والمجلس الأعلى للدولة، والمجلس الرئاسي، ورغم خلافاتهم المعروفة، أبدوا تحفظات متقاربة تجاه أي مسار قد يؤدي إلى تجاوز الأطر الحالية وإعادة تشكيل السلطة التنفيذية خارج نطاق تفاهماتهم التقليدية.
هذه المفارقة تطرح سؤالًا مشروعًا: هل الخلاف الحقيقي بين هذه الأطراف كان دائمًا حول كيفية بناء الدولة، أم حول من يدير المرحلة الانتقالية ويحتفظ بنفوذه داخلها؟
الواقع أن المواطن الليبي لم يعد يقيس الأمور بخطابات السياسيين بقدر ما يقيسها بنتائجها على حياته اليومية. فالبلاد ما زالت تعاني من أزمات اقتصادية وخدمية متراكمة، فيما تستمر حالة الانقسام في استنزاف مؤسسات الدولة وتعطيل قدرتها على الاستجابة لتطلعات المواطنين. ومن هذا المنطلق، تبدو أي مبادرة قادرة على تقليص الانقسام وإعادة توحيد القرار التنفيذي محل اهتمام وترحيب شعبي، حتى وإن لم تكن مثالية أو خالية من العيوب.
في المقابل، لا يمكن التعامل مع مبادرة بولس باعتبارها وصفة سحرية لحل جميع المشكلات الليبية. فالتجربة أثبتت أن نجاح أي تسوية سياسية لا يرتبط فقط بالدعم الدولي، بل بمدى قدرتها على اكتساب شرعية وطنية حقيقية وتحقيق توازن بين مصالح القوى الفاعلة ومتطلبات الدولة. كما أن أي مشروع لا يفضي في نهاية المطاف إلى انتخابات حرة ومؤسسات موحدة سيبقى مجرد محطة جديدة ضمن سلسلة طويلة من الترتيبات الانتقالية.
ومع ذلك، فإن القيمة السياسية الحقيقية للمبادرة لا تكمن فقط في بنودها، بل في أنها أجبرت الجميع على كشف مواقفهم بوضوح. فقد وضعت الأجسام السياسية أمام اختبار صعب: إما القبول بخطوات جادة نحو إعادة تشكيل المشهد السياسي، أو الظهور أمام الرأي العام باعتبارها جزءًا من منظومة تسعى إلى الحفاظ على الوضع القائم مهما كانت كلفته على الوطن والمواطن.
اليوم تقف ليبيا أمام مفترق طرق جديد. فإما أن تتحول المبادرات المطروحة إلى فرصة لإنهاء سنوات الانقسام والانتقال نحو مرحلة أكثر استقرارًا، وإما أن تتغلب حسابات النفوذ والمصالح الضيقة لتدخل البلاد في دورة جديدة من الانتظار. وبين هذا وذاك، يبقى المعيار الحقيقي بسيطًا وواضحًا: أي مشروع يقرّب الليبيين من الدولة الموحدة والانتخابات والاستقرار يستحق النقاش والدعم، وأي مشروع يمدد عمر الأزمة مهما اختلفت شعاراته سيبقى مجرد إعادة إنتاج للمأزق نفسه.
لقد تعب الليبيون من إدارة الأزمات، وما يحتاجونه اليوم ليس مبادرة تحافظ على توازنات المرحلة الانتقالية، بل مشروع سياسي يضع نهاية لها. وهنا تحديدًا تكمن أهمية الجدل الذي أثارته مبادرة بولس؛ فهي، سواء نجحت أم أخفقت، أعادت طرح السؤال الذي يحاول كثيرون الهروب منه: متى تتقدم مصلحة ليبيا على مصالح من يديرون أزمتها؟
