مقالات الرأي

تؤخذ الدنيا غلابا



بقلم/ ناجي إبراهيم

العارفون والمطلعون على المخططات والسياسات الاستعمارية الغربية نبهوا إلى ما ستؤول عليه الأوضاع في ليبيا والمنطقة العربية نتيجة مؤامرة ما سمي بالربيع العربي الذي نحصد اليوم ثماره، فوضى وانقسامات أفقية وعمودية وعلى جميع الصعد، تحولت بلداننا إلى ساحات صراع ومناطق نفوذ للدول المتصارعة على الطاقة والأسواق، وعاد الاستعمار الذي أخرجناه من باب المقاومة والكفاح، من نافدة الأزمات التي أنتجتها مؤامرة ما سموه الربيع العربي.

عندما اندلعت فوضى الربيع نبه الكثيرون الذين قرأوا المشهد بتجارب مشابهة وقعت في التاريخ وأخرى تجري في الواقع، من مصير مشابه للموجة الاستعمارية التي عرفها العالم عقب الثورة الصناعية في أوروبا في القرنين السابع عشر والثامن عشر وما تلاهما من تقاسم لثروات الشعوب وما لحق بهم من قتل وإبادة وتدمير وحتى عبث بالبنية الاجتماعية والثقافية ما زالت تعاني منه دول العالم الجنوبي إلى يومنا هذا، وتحولت الحدود التي أنتجها تقاسم النفوذ إلى بؤر للصراع تتفجر من حين إلى آخر لتكون مبررًا آخر لتمديد عمر الهيمنة الاستعمارية أو سببًا للعودة والتدخل، وأضيفت لها أسباب أخرى صنعتها مخابرات الدول الاستعمارية ما كانت موجودة في زمن ما قبل العولمة، ونبهوا أيضًا وفي أحسن الأحوال إلى عودة جديدة للاستعمار (بماسكات) وأقنعة متطورة قد تستخدم الدين تارة وغواية الحريات والديمقراطية وتداول السلطة، وهي بالفعل الشعارات التي تصدرت المشهد في أحداث الربيع العربي وقبلها في ربيع أوروبا الشرقية، وسوقوا لنا ثورات ملونة برتقالية وصفراء وبنفسجية، وأطلقوا على انتفاضة الجائعين في تونس ثورة الياسمين لتستهوي المرزوقيين، وقالوا إنها جاءت ردًّا على عنف السلطة والسجون والقمع لينخرط فيها من هم أشد تطرفًا من الجماعات الإسلامية.

نبهنا ونبه غيرنا بمصير العراق وأفغانستان عقب الغزو الأمريكي للبلدين، سيحدث في ليبيا أغمضوا أعينهم وصموا آذانهم، وكانت غواية الغرب الاستعماري الأعلى صوتًا والأكثر صخبًا لتتمايل عليها أجساد ثملة بالحقد ورؤوس أثقلتها حبوب الهلوسة بمختلف الأنواع، وظلوا في غيهم حتى تفتحت عيونهم على جسد أحد أكبر المجاهدات من أجل الحريات على الطريقة الغربية (العهر) وهي مقطعة الأطراف، وطال الموت كل طواغيت الدولة المدنية كما يتصورها جماعة ومعتنقو فكر ابن تيمية وحسن البنا.

ومنذ ذلك التاريخ وضع قطار الأزمة الليبية على نفس السكة التي سار عليها قطار الأزمة العراقية الذي لم يبلغ محطته الأخيرة حتى الآن، فكيف بالقطار الذي يتعقبه على نفس السكة؟

وقد وقعت الواقعة وحدث ما نبهنا منه وليبيا اليوم في شبكة مثلث الفوضى والانقسام والهيمنة. فهل من سبيل للخروج؟

هل إذا خرجت من الأولى تستطيع النجاة من الثانية والثالثة؟

نحن لا نملك إلا التفاؤل، بل ونتمسك به في رحلة التصدي للمؤامرة منذ اندلاع شرارتها عام 2011، وإيماننا بحتمية هزيمة المشروع الاستعماري الذي بدأت بوادر تراجعه بعد الهزيمة التي لحقت بالإمبريالية الأمريكية في معركتها ضد إيران التي أثبتت للعالم أن النصر ممكن بالصبر والصمود، وما يعزز إيماننا بهزيمة المشروع الاستعماري إيماننا بالله أولًا والتحولات التي بدأت تظهر على النظام الدولي، الصين روسيا إيران وربما باكستان، التي تسعى هي الأخرى للخروج من عباءة الهيمنة الأمريكية.

التاريخ سجل لنا آخر معارك الإمبراطورية البريطانية في قناة السويس إبان العدوان الثلاثي على مصر عبدالناصر، وكانت هذه المعركة هي نهاية إمبراطورية كانت لا تغرب عنها الشمس، واليوم معركة خليج هرمز أطلقت صافرة النهاية للهيمنة الأمريكية على بحار ومضائق العالم.

إذن، الآن أمام الليبيين متغيرات دولية تعطيهم الأمل في الخروج من شباك الهيمنة التي طوقتنا بها نكبة فبراير والخلاص من إملاءات بولس ومبادرات تيتة التي لا تختلف عن سابقاتها والتي تقدم حلًّا واحدًا لأزمات متعددة ومتداخلة ومعقدة والذي يزيدها تعقيدًا التدخلات الخارجية.

جميع الجولات التي خاضتها بعثة الأمم المتحدة طيلة عمر الأزمة الليبية التي كانت نتيجة لقرارات دولية فرضتها دول تهيمن على القرار الدولي لم تقدم حلًّا على الإطلاق، بل كانت طيلة توليها تسعى إلى إقناع الليبيين أن المشكلة الليبية تكمن في تقاسم السلطة بين أطراف متصارعة على السلطة والنفوذ، وهم في الأصل طرف واحد في مواجهة الشعب الليبي الذي لم يخترهم ولم يمنحهم الشرعية بأي صورة كانت، في جميع الجولات يتحاورن مع أطراف السلطة التي صنعوها وأسسوا لها في الصخيرات وانقلبوا عليها في جنيف ويسعون هذه الأيام إلى استبدال سلطة جنيف بسلطة أخرى، ربما تحت مبادرة بولس، وربما تحمل اسمه، ولم يتحاوروا مع الشعب الليبي الذي تمثله نخبه الوطنية وقبائله الممثلة في مجالسها الاجتماعية، وإذا استمروا على نفس السياق فسيحملون الشعب أعباء أخرى وجديدة تثقل كاهله لفترة انتقالية إضافية لم تكن جسرًا للحل، بل عصا أخرى في دواليب الحلول التي تتجاهلها البعثة في كل مرة.

ندعو الليبيين إلى الصبر، والأمل في غد، وضرورة السعي إلى إعادة قرارهم الذي اختطفته البعثة وبعض المبعوثين والسفراء، وعليهم دفع الثمن لو كان دمًا، إذ تؤخذ الدنيا غلابا

زر الذهاب إلى الأعلى