مقالات الرأي

الصمود الذي يعيد رسم المعادلة


بقلم / ناصر سعيد
ليست الحروب الحديثة مجرد معارك عسكرية تُقاس بعدد الغارات أو حجم الدمار، بل أصبحت اختبارًا للإرادة السياسية، والقدرة على الصمود، وإدارة الزمن الاستراتيجي، وفي هذا يرى كثيرون أن ما جرى بين الولايات المتحدة وإيران ـ مهما اختلفت الروايات حول نتائجه ـ كشف حقيقة بات من الصعب تجاهلها “أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي دائمًا لفرض الإرادة السياسية”.
في الخطاب الإعلامي العربي والغربي، جرى تقديم المشهد بصورة مضطربة ومشوَّشة، وكأن الأحداث انتهت إلى نصر خاطف أو هزيمة مطلقة لأحد الأطراف، بينما تكشف الوقائع السياسية عن مشهد أكثر تعقيدًا من هذه الروايات المبسطة، فعندما تنتهي المواجهات إلى قنوات تفاوض واتصالات وتسويات، يظهر سؤال أساسي: هل نجح التصعيد في تحقيق أهدافه الأصلية، أم أن صمود إيران وتطورات الميدان فرضت مسارًا مختلفًا أعاد رسم موازين المشهد وقيَّد قدرة الأطراف الأخرى على فرض رؤيتها كاملة؟
إن المقاومة الإيرانية لم تصل إلى موقعها الإقليمي والدولي من فراغ، بل عبر عقود من العقوبات والضغوط والعزل السياسي، ومع ذلك استطاعت بناء قدرات علمية وصناعية وعسكرية، وفرض نفسها طرفًا لا يمكن تجاوزه في ملفات المنطقة، ومن هذا المنظور، فإن مجرد استمرار الدولة وتماسك مؤسساتها يُعد في ذاته رسالة سياسية تتجاوز حدود ساحة المعركة.
الدرس الذي يستحضره كثير من حركات التحرر في العالم ليس متعلقًا بإيران وحدها، بل بفكرة أوسع: أن الأمم لا تُبنى بالخوف، ولا تصنع مكانتها بالارتهان، بل بالاعتماد على الذات، والاستثمار في التعليم والإنتاج، وامتلاك قرارها السياسي.
وفي المقابل، يطرح هذا المشهد سؤالًا مؤلمًا على الواقع العربي: لماذا تحولت دول كثيرة إلى ساحات للصراع بدل أن تكون أطرافًا فاعلة فيه؟ لماذا تراجع مشروع الدولة المنتجة والقادرة، وحلّ محله منطق التبعية وانتظار الحلول من الخارج؟
إن المقارنة التي تتكرر في الوعي الشعبي ليست بين نموذج وآخر بقدر ما هي مقارنة بين الإرادة والعجز، بين دولة قررت أن تبني أدوات قوتها مهما كان الثمن، ودول فقدت الثقة في نفسها قبل أن تفقد عناصر قوتها.إن ما كشفت عنه السنوات الأخيرة ـ من غزة إلى لبنان إلى البحر الأحمر إلى التوترات الإقليمية ـ هو أن فكرة التفوق المطلق لم تعد كما كانت، وأن الرأي العام العالمي نفسه يشهد تحولات متزايدة في النظر إلى قضايا المنطقة، خصوصًا لدى الأجيال الجديدة التي أصبحت أكثر استعدادًا لطرح الأسئلة وكسر السرديات التقليدية.
لكن الدرس الأهم ربما لا يتعلق بالاحتفاء بأي حرب، بل بفهم معنى الصمود، فالقوة ليست في استمرار القتال وحده، بل في امتلاك مشروع وطني، وقدرة على حماية السيادة، ومنع تحويل الأوطان إلى ساحات مفتوحة لتصفية الحسابات الدولية.
نبارك لإيران انتصارها على الإمبريالية والصهيونية في مواجهة تاريخية بصمود وشجاعة، وما رافق ذلك من تضحيات جسيمة، أظهر فيها الشعب الإيراني ومؤسساته قدرة كبيرة على الثبات وتحمل الضغوط والتحديات، وهذا يعكس أن الإرادة الوطنية والتمسك بالمواقف قادران على فرض معادلات جديدة، ويؤكدان أن الشعوب التي تتحلى بالصبر والتماسك تستطيع حماية مصالحها والدفاع عن خياراتها، مهما اشتدت الظروف وتعاظمت التحديات.
إن التاريخ لا يذكر فقط من امتلك السلاح الأقوى، بل يذكر أيضًا من امتلك الإرادة الأطول نفسًا.. «فالسيادة لا تُمنح، والقرار لا يُستورد، ومن لا يمتلك إرادته الوطنية يجد نفسه ساحةً تتقاطع فوقها إرادات الآخرين».

زر الذهاب إلى الأعلى