مقالات الرأي

الأقاليم بين مطلب العدالة وخطر التفتيت


بقلم / د_ محمد جبريل

عندما تغيب الدولة، يلجأ المواطن إلى طلب الأمن من دوائر أضيق، كالتنظيم السياسي أو القبلي أو العصابي.
الأمن ليس فقط حماية النفس والعِرض والمال، بل يشمل تأمين الحاجات الأساسية كالمأكل والمسكن والمركوب.
وعندما تتركز القرارات والثروات والخدمات في العاصمة، يشعر مواطن الأطراف بالتهميش وانعدام الأمان. وبالمقابل، فالإقليمية تهدد وحدة الوطن عندما تُستغل لإحياء هويات فرعية.
المحاصصة الإقليمية أصبحت مطيةً للوصولية؛ فكثير ممن رفعوا شعارات الدفاع عن أقاليمهم تنكَّروا لها بمجرد وصولهم إلى الكرسي.
عندما يواجه البشر مشكلات حياتية، يبحثون لها عن حلول شعبية. وتكمن الخطورة في التسويق لحلٍّ يخلق أزمةً أكبر؛ فعلاج المركزية ليس بإنشاء كيانات تؤدي إلى التفتيت.
اللامركزية صيغة إدارية تُرسم وفق معطيات اقتصادية واجتماعية ولوجستية، أما توظيفها لإضعاف الدولة، أو إثارة نزعات جهوية أو ثارات قديمة، أو هويات زائفة، أو اصطفافات أيديولوجية، أو أحصنة طروادة للتدخل الأجنبي السلبي، فإنه يجعلها مصدرًا للانقسام.
عاشت ليبيا تجربة الأقاليم 10 سنوات فقط، ثم 32 سنة المحافظات، ثم 17 الشعبيات، وأخيرًا 16 سنة البلديات.
يُروِّج البعض لمصطلح “الأقاليم التاريخية” لإضفاء الشرعية التاريخية على النزعات الانفصالية، بينما أسماء الأقاليم نتاج مراحل تاريخية قديمة.
فاسم برقة يعود إلى التسمية الإغريقية للمرج الحالية بالقرن السابع قبل الميلاد. وطرابلس مشتق من الكلمة الإغريقية “تريبوليس” التي تعني “المدن الثلاث”، وهي المدن التي أسسها الفينيقيون في القرن السابع قبل الميلاد. أما فزان فقد أطلقه الرومان على المنطقة بعد تغلبهم على مملكة الجرمنت في القرن الرابع الميلادي.
إذن، هذه التسميات أُطلقت قبل هجرة العرب إلى أفريقيا. ولو أُخذ هذا المنطق إلى مداه الأقصى، لأمكن القول ــ سخريةً ــ إنه يحق للكريتيين المسلمين أن يطالبوا ببرقة باعتبارها أرض أجدادهم التي عادوا إليها سنة 1897، وللفينيقيين (الشاميين) المطالبة بطرابلس، وللإيطاليين (الرومان) المطالبة بفزان. هذا الاستدلال يكشف هشاشة ما يسمى بـ”الأقاليم التاريخية”.
الحل ليس بفيدرالية ثلاثية تنذر بالتفتيت، ولا بمركزية مقيتة تجسد التهميش، بل بدسترة تقسيم إداري وفق المعطيات الاقتصادية والسكانية واللوجستية. ولا يهم أن يسمى أقاليم أو ولايات أو محافظات أو شعبيات، فالمهم تحقيق أربعة أهداف رئيسية هي: التوزيع العادل للثروة، وتقريب الخدمات من المواطن، وتمكينه من المشاركة في صنع القرار، ومنع شبح التفتيت.
جيوسياسيًّا؛ من مصلحة الليبيين ألا يتشرذموا لكيانات صغيرة ضعيفة، تابعة ومتناحرة، بل يظلون موحدين ليندمجوا في فضاءات أكبر عربيًّا وأفريقيًّا وإسلاميًّا.

زر الذهاب إلى الأعلى