التوطين والتوطن.. من زاوية قانونية

بقلم/ عبدالمجيد قاسم
لا شك أن الظواهر ذات الأثر السلبي في المجتمع تجد صداها في أروقة صناعة القرار لوضع المعالجات اللازمة، ولمواجهة الظاهرة، وللحد من تأثيراتها، ويكون ذلك غالبًا بإصدار تشريع أيًّا كان نوعه، قانونًا أم قرارًا، يتناول وصف الظاهرة، وسبل معالجتها، وصلاحيات أجهزة الدولة في التصرف حيالها.
وقد برزت في الآونة الأخيرة ظاهرة الانزياح البشري من مناطق إلى أخرى، ومن دول إلى أخرى، نتيجة الظروف الأمنية والسياسية والاقتصادية ما سبب مشاكل وصفت كظواهر تحتاج إلى معالجة، وكان من بينها ظاهرة التوطين التي تعد ليبيا إحدى الدول التي تمثل لها هذه الظاهرة هاجسًا يخشى منه.
لذا صدر القانون رقم 24 لسنة 2023م بشأن مكافحة توطين الأجانب في ليبيا الذي فرق بين مصطلحين، وهما التوطين والتوطن.
فالتوطين: هو إدخال الأجانب إلى ليبيا بقصد البقاء فيها واتخاذها موطنًا دائمًا.
والتوطن: هو دخول الأجنبي إلى ليبيا بقصد اتخاذها موطنًا دائمًا له سواء دخل الأجنبي عبر المنافذ الحدودية الرسمية أم دخل عن غير هذه المنافذ، وسواء دخل بموجب تأشيرة صحيحة أم بغير تأشيرة متى كان القصد من الدخول التوطن.
وقد صنف القانون فعل التوطين جناية، وجعل عقوبتها السجن مدة لا تزيد على خمس سنوات، ولا تقل عن ثلاث سنوات، مع الغرامة التي لا تزيد على عشرة آلاف دينار، وإذا كان الفعل قد تم عبر شركة أو مؤسسة يعاقب الشخص الاعتباري بقفل محله وإلغاء الترخيص الممنوح له بمزاولة نشاطه في ليبيا كما يحكم بمصادرة أمواله وممتلكاته ذات الصلة بالجريمة.
بينما التوطن، أي دخول الأجنبي بقصد البقاء الدائم، فقد عده المشرع جنحة، يعاقب عليها الأجنبي بالحبس وغرامة لا تقل عن ألف دينار إذا دخل البلاد قاصدًا التوطن فيها سواء أكان دخوله بموجب تأشيرة صحيحة أم غير صحيحة.
والمصطلحان التوطين والتوطن يجمع بينهما اسم واحد تجاهله القانون، وهو الاستيطان، لذا فأول الملاحظات على هذا القانون تتعلق بالعنوان الذي كان ينبغي ليكون شاملًا لكلا المصطلحين أن يكون: “قانون بشأن مكافحة استيطان الأجانب في ليبيا…”، فلفظة الاستيطان أشمل وأقرب لوصف الفعل المجرم، لما فيها من الطلب الذي تعبر عنه (السين)، ولانضوائه على القصد الجنائي اللازم لقيام الجريمة.
كما استحدث هذا القانون نظام الكفيل، وهو نظام دخيل على البيئة القانونية في ليبيا، حتى من ناحية الاصطلاح (التسمية)، عندما نص على: “يكون للأجنبي عند دخوله للأراضي الليبية والإقامة فيها كفيلًا (والصواب كفيلٌ) ليبي الجنسية يكون مسؤولًا عن جميع الإجراءات الخاصة بالأجنبي حتى خروجه، ويلزم الأجنبي بسداد رسوم تقدرها جهات الاختصاص مقابل تسهيل سبل العيش”.
وأعطى للقاضي صلاحية الأمر بإبعاد الأجنبي الذي دخل البلاد بقصد التوطن، كما يجوز له إبعاد الممثل القانوني للشخص الاعتباري إذا ارتكب أي سلوك من السلوكيات المجرمة وفق أحكام هذا القانون.
والأمر في المعالجة التشريعية لموضوع التوطين لا يقف عند هذا القانون، بل يوجد قانونان آخران نافذان، وهما قانون مكافحة الهجرة غير الشرعية، وقانون تنظيم دخول وإقامة الأجانب في ليبيا.
ويمكن أيضًا عد قانون الجنسية، ولوائح السجل المدني ضمن التشريعات المنظمة للمواطنة والتوطن في ليبيا، فهذه المصطلحات: المواطنة والتوطين والتوطن بينها عموم وخصوص، وبينها بعض المفارقات التي يجدر التنبيه لها.
فالتوطين أو التوطن، هما سلوكان ينطويان على نية مبيتة لاتخاذ ليبيا موطنًا دائمًا من قبل أجنبي، وهذه النية تعد قصدًا خاصًّا يصعب إثباته، والمفارقة أن الأجنبي إذا استمر مقيمًا في ليبيا حتى تحقق له شرط الحصول على الجنسية، وكان دخوله البلاد وإقامته فيها بشكل مشروع، فهنا وفقًا لقانون مكافحة التوطين يتحقق القصد الخاص للجريمة بمجرد تقدمه للحصول على الجنسية، مع أن قانون الجنسية يجيز له ذلك!
لذا كان من الأجدر بالمشرع عند تجريمه للاستيطان أن يراعي أن هذا الخطر لا يمكن مواجهته بنصوص مقطوعة الصلة عن محيطها من النصوص الأخرى، بل ينبغي التفرقة بين الاستيطان التلقائي الذي تجيزه كل تشريعات العالم، وبين الاستيطان المنظم الذي يمثل خطرًا حقيقيًّا على أمن البلاد واستقرارها ونسيجها الديموغرافي.
