اللاهوت وإشكالية التطهير: في التطهير 13

بقلم / مهدي امبيرش
اختتمنا المداخلة الفائتة بإشارة إلى مصطلحين إغريقيين، وعندما نستخدم مصطلح الإغريق فإننا نشير إلى كل المكونات الاجتماعية في بلاد الإغريق وهذا التنبيه مهم جدًّا؛ لأن أكثر الباحثين، بمن فيهم المختصون في تاريخ الفكر لا يفرقون بين الإغريق واليونان.
فاليونان هم بعض الإغريق، وهنا نقرأ الأنواع الثلاثة من تيارات الفكر في بلاد الإغريق. فالتيار الأول هو التيار الطبيعي، ونقصد بالطبيعي الذي لاتزال آثاره إلى اليوم في المدرسة الطبيعية في أوروبا وتحديدًا في فرنسا وأمريكا، وهذا التيار الفكري ظهر في المستعمرة الإغريقية في آسيا الصغرى، حيث إن المكان الذي استوطنوه كان زراعيًّا، وهذا ما رسَّخ فكرة أن الكون كله طبيعي، وأن الذي أوجد الكون هو قوة طبيعية، كما قرأنا في أطروحة طاليس، أن الموجد الأول للطبيعة هو الماء، كما يرى انكسيمانس أنه الهواء، وانكسيماندرس أنه الخليط أو (الأبيرون)، وأخيرًا قال هيرقليطس أنه النار.
نرى أن هذه الواحدية، أي قولهم إن موجد الطبيعة واحد سوف يتغير مع ظهور لوقيبوس، وديموقريطس، اللذين قالا إن الطبيعة مركبة من ذرات، وإن هذه الذرات مستقلة الواحدة عن الأخرى، وكما يرى ديموقريطس أنها متساوية في جوهرها، وإن كان هناك من اختلاف فيكون في الشكل أو الحجم، سوف نقرأ هذه حديثًا في أطروحة الألماني لابنتس، الذي استبدل الموناد بخصائص الذرة، حيث الموناد عنده مغلق، وأن العلاقة بين الموناد والآخر تقع داخل الموناد الأكبر، وهذا نفسه سوف نقرؤه فيما يسمى اليوم بالنص، حيث يسمح النص باعتباره شكلًا أن تتحرك المونادات داخل الشكل وعلى مستوى اللغة سوف نقرأ اليوم ما يسمى بالفونيم الوحدة الصوتية في فعل التعبير، وأن هذه الفونيمات هي الأخرى مستقلة، وهو ما قال عنه اللساني السويسري ديسوسير، أحد مؤسسي التركيبية، أو ما ترجم خطأً إلى العربية على أنه البنيوية وعنده لأنه ينتصر إلى الشكل، أن كل صوتيم إلى الوحدة الصوتية لا علاقة لها بمفاهيم الأخرى، وأن المفهوم يأتي من خلال الشكل التركيبي (المورف)، وهذا ما تتبناه اليوم ما يسمى بالحداثة التي عارضها من يصفون أنفسهم بما بعد الحداثة، حيث يعطون الاعتبار للصوتيم، وهنا نذكر بالذي سبق أن ذكرناه في مقولتنا (كل الفكر فكر معاصر).
نرجع إلى حيث بدئنا فإن المدرسة الطبيعية تتقدم خطوةً عن طريق هيرقليطس الذي قال إن الطبيعة في سيلان دائم، وعنه تروى مقولة: (إنك لن تدخل النهر مرتين)، في مقابل هذه المدرسة نقرأ ما يعرف بالمدرسة التجريدية والسكونية أو بالمصطلح الاجتماعي المدرسة الأرستوقراطية، في حين أن الأولى تأخد مصطلحًا اجتماعيًّا طبقيًّا على أنها الديموس أو الدهماء أو الشعب الذي يراه الأولون ليس أهلًا أن يصل إلى السلطة لتصير السلطة سلطة الدهماء أو بمصطلح المعاصر الديموقراطية.
ربما تبرز هنا مدرستان تبدوان متعارضتين، المدرسة الطبيعية حيث الحركة والتغير، وما يسمى بالمدرسة المثالية، حيث السكون ونفي الحركة، وعلى مستوى الخطاب تكون المدرسة الطبيعية مدرسة اللغة الحية أو الممتلئة، في حين تكون الثانية مدرسة السكون والتجريد، وهذان الموقفان يحددان مدرستين لا تزالان قائمتين حتى اليوم: المدرسة الطبيعية، والمدرسة المثالية.
وعلى مستوى الخطاب نجد في المدرسة الطبيعية من يوصفون بالسوفسطائيين الذين يتنصرون إلى المدرسة الفيزيائية، من أمثال جورجياس وبروتاغوراس والذين آخرهم انباذقليس، وقد أشرنا إلى طرف من موقفهما من اللغة والتعبير، حيث إنهم يرون أن المعرفة بعدية، وبالإمكان تعليمها وهي تؤخذ من المدرك والموجود والفيزيائي وعلى الجانب الثاني سنجد المدرسة المثالية التي كان يقودها سقراط وأفلاطون وهما يرفضان أن تكون الموجودات وإدراكها بالحواس مباشرةً معرفة حقيقية، أي أن المعرفة قبلية، ومن هذا الموقف الأرستوقراطي يرفضون ادِّعاء الطبيعيين الذين يقولون عن أنفسهم إنهم معلمو الحكمة، حيث يرى أفلاطون أن الحكمة تتجاوز الفيزيقا وتتجاوز الموجودات الطبيعية فهي مفارقة في السماء، أي ميتافيزيقا، وأن الذي يقول عنه السوفسطائيون إنه الحقيقة ليس إلا وهمًا، وبهذا يطرح أفلاطون فكرة المحاكاة الذي نراه على الأرض ليس إلا ظلالًا للحقيقة، بل ويبتعد درجات عنها، ولهذا كان له موقف معارض من فن الخطابة والشعر وبقية الفنون، وليس لهذه الموجودات من مهمة سوى أنها تذكرنا بالحقيقة المفارقة في السماء عندما كانت النفوس تطير في موكب الإلهة مطلعة على الحقيقة قبل أن تفقد قدرتها على الطيران وتسقط إلى الأرض وتقع أسيرة في المادة، وأنه لا يمكن أن تعود هذه النفوس إلى السماء إلا بالموت، وهذا نقرؤه في محاورة فيدون التي تروي حدث إعدام سقراط، وأن الموت مطلب الفلاسفة، وبهذا يدخل أفلاطون فضاء العدمية الصوفية، سواء أكان تحت تأثير الشامانية الهندية أو الأورفية أو الفيثاغورثية التي نقرؤها واضحة بعد ذلك فيما عرف بالأفلاطونية الجديدة والفيثاغورثية الجديدة، حيث يقول فيثاغورث في البداية خلافًا للطبيعيين إن الموجد الأول هو العدد، وإن الكون كله أعداد. ولأن هذا الموضوع يطبع ما يسمى بالفكر الحديث والمعاصر سوف نواصل في المداخلة القادمة مع تناول مصطلحات (الأنطولوجيا والإبستيمولوجيا والفينومينولوجيا).
