مقالات الرأي

الكلمة سلاح الأمة في زمن الانهيار


بقلم/ فرج بوخروبة
ليست أزمة هذه الأمة في نقص الخطب، ولا في وفرة الشعارات، بل في الانهيار البطيء للعقل الجمعي تحت ضغط الهزائم المتراكمة والتفكك المنظم. ما يجري اليوم في العالم العربي ليس مجرد تعثر سياسي عابر، بل عملية إعادة تشكيل كاملة للإنسان العربي؛ إعادة تشكيل تُنتزع فيها الذاكرة من جذورها، وتُستبدل القضايا الكبرى بمخاوف فردية ضيقة، حتى يصبح الإنسان محاصرًا بلقمة عيشه، خائفًا من صوته، منفصلًا عن أمته، عاجزًا عن إدراك حجم الكارثة التي تتحرك حوله.
القضية لم تعد قضية حدود محتلة فقط، بل قضية وعي يتم احتلاله بالتدريج. فالاستعمار الحديث لا يحتاج دائمًا إلى جيوش ودبابات، بل يحتاج إلى إعلام قادر على إعادة تعريف الحقائق، وتعليم الناس كيف ينسون، وكيف يتعايشون مع الهزيمة باعتبارها قدرًا نهائيًّا. أخطر ما يمكن أن يحدث لأي أمة ليس أن تُهزم عسكريًّا، بل أن تفقد قدرتها على إدراك أنها تُهزم أصلًا.
فلسطين لم تكن يومًا مجرد ملف سياسي قابل للتفاوض أو الإغلاق، بل كانت المقياس الأخلاقي والحضاري الذي يكشف حقيقة المواقف والأنظمة والوعي الشعبي. ولهذا جرى العمل لعقود على تفريغها من معناها، وتحويلها من قضية تحرر وكرامة إلى خبر موسمي أو عبء ثقيل في خطاب بعض النخب الرسمية والثقافية. حين تُدفع أمة كاملة إلى التعامل مع الاحتلال بوصفه أمرًا واقعًا، فهذه ليست هزيمة عسكرية فقط، بل نجاح كامل في هندسة الوعي.
ما يحدث أخطر من التطبيع السياسي؛ إنه تطبيع نفسي وفكري يجعل الأجيال الجديدة تنمو وهي منفصلة عن جذورها، غير مدركة لمعنى الصراع، ولا لطبيعة المشروع الذي يستهدفها. يتم تحويل الإنسان العربي إلى مستهلك منهك، غارق في الترفيه السطحي، منشغل بصراعات جانبية، بينما تُعاد صياغة المنطقة اقتصاديًّا وثقافيًّا وأمنيًّا وفق مصالح القوى الكبرى. وفي الوقت الذي تتكتل فيه الأمم لحماية مصالحها، يتم دفع المجتمعات العربية نحو مزيد من الانقسام الطائفي والمناطقي والعرقي، حتى تتحول الأمة إلى جماعات متناحرة يسهل التحكم بها.
لقد أصبح الإعلام الحديث أحد أخطر أدوات السيطرة. لم يعد دوره نقل الخبر، بل صناعة الإدراك نفسه؛ تحديد من هو العدو، وما الذي يجب أن نخاف منه، وما الذي ينبغي أن ننساه. يتم إنتاج وعي مرتبك يفقد القدرة على التمييز بين الحقيقة والدعاية، بين المقاومة والفوضى، بين الحرية والفوضى المصنوعة. ومع الزمن، يصبح التضليل أكثر قوة من الحقيقة، لأن الحقيقة تحتاج إلى عقل يقظ، بينما تحتاج الدعاية فقط إلى تكرار مستمر.
وفي ظل هذا المشهد، تراجع دور المثقف الحقيقي، وحل محله خطاب استهلاكي سريع يطارد الشهرة والانتشار لا التأثير. المثقف الذي لا يملك شجاعة المواجهة يتحول إلى جزء من ماكينة التبرير، حتى وإن تحدث بلغة أنيقة ومفردات براقة. وظيفة الكلمة ليست التجميل، بل الكشف. ليست تخدير الناس، بل صدمهم بالحقيقة. فالأمم لا تنهض بالمجاملات، وإنما بالمصارحة القاسية التي تعيد ترتيب الأولويات وتكشف حجم الخلل دون خوف.
إن أخطر أشكال الانهيار هو اعتياد الانهيار نفسه؛ أن يصبح الفساد مألوفًا، والتبعية أمرًا طبيعيًّا، والعجز السياسي قدرًا لا يمكن تغييره. حين تصل الشعوب إلى هذه المرحلة، فإنها لا تفقد قوتها فقط، بل تفقد مناعتها الداخلية. ولذلك فإن معركة الوعي ليست ترفًا فكريًّا كما يظن البعض، بل شرط بقاء. الأمة التي لا تنتج وعيًا مستقلًّا ستستهلك دائمًا وعيًا مستوردًا، ومع الوعي المستورد تأتي المصالح المستوردة، والرؤية المستوردة، وحتى الأعداء والأصدقاء يتم تعريفهم وفق إرادة الخارج لا وفق مصلحة الأمة.
التبعية الاقتصادية ليست مسألة أرقام وتقارير مالية فقط، بل وسيلة إخضاع طويلة المدى. الدولة التي لا تملك غذاءها ولا صناعتها ولا قرارها التقني، ستظل عاجزة عن امتلاك قرارها السياسي مهما رفعت من شعارات السيادة. وكذلك الحال في الثقافة؛ الأمة التي تفقد لغتها تدريجيًّا تفقد طريقتها في التفكير، لأن اللغة ليست مجرد أداة تواصل، بل وعاء للهوية والرؤية والقيم.
ما نحتاجه ليس خطابًا عاطفيًّا جديدًا، بل إعادة بناء جذرية للعقل العربي؛ عقل يدرك أن الحرية لا تُمنح، وأن الاحترام الدولي لا يُشترى، وأن الأمم التي لا تحمي مصالحها تُفرض عليها مصالح الآخرين بالقوة أو بالخداع. المطلوب وعي قادر على تجاوز الانفعال المؤقت نحو مشروع طويل المدى يعيد الاعتبار للعلم والإنتاج والسيادة الثقافية والاقتصادية.
التاريخ لا يحترم الأمم الضعيفة مهما امتلكت من موارد، بل يحترم الأمم التي تعرف ماذا تريد، وتملك إرادة الدفاع عن وجودها. وما تعيشه المنطقة اليوم ليس نهاية التاريخ، بل اختبار قاسٍ لقدرة هذه الأمة على استعادة نفسها قبل أن تتحول بالكامل إلى هامش تابع في عالم لا يعترف إلا بالأقوياء.
الكلمة هنا ليست زينة أدبية، بل أداة مقاومة. ليست بديلًا عن الفعل، لكنها الخطوة الأولى نحوه. فكل مشروع هيمنة يبدأ بالسيطرة على الرواية، وكل مشروع نهضة يبدأ باستعادة الوعي. وحين تدرك الأمة حقيقة ما يُفعل بها، تصبح قادرة على الانتقال من حالة التلقي إلى الفعل، ومن موقع الضحية إلى موقعالمواجهة.

زر الذهاب إلى الأعلى