مقالات الرأي

الجريمة النسائية في ليبيا.. ناقوس خطر!


بقلم/ عبدالمجيد قاسم
عن نفسي، أستغرب أن ترتكب المرأة جريمة بشكل مباشر، ليس لأنها إنسانة رقيقة وحساسة وشفافة، أبدًا على الإطلاق، بل لأنها بطبيعتها الخلقية، والنفسية، ليست أهلًا لارتكاب الجرائم بشكل مباشر، قد تكون وراء الجريمة، أو هي المحرض، لكن أن تباشرها بنفسها فهذا، وباستثناء الجرائم الخفية كالسرقة والزنى، نادر الحدوث.
وفي الأمثال، يقال: فتش عن المرأة، للدلالة على أن كل مصيبة أو جريمة أو إثم غالبًا ما تكون وراءه امرأة، ولا عجب في ذلك، وإلا ما الذي أخرج آدم من الجنة سوى غواية الشيطان وتشجيع حواء؟ وما الذي أشعل فتيل الحرب بين داحس والغبراء سوى البسوس التي ناحت على ناقتها فحدث ما حدث؟ وفي عصرنا وجدنا نساءً أقوى من الرجال إذا اعتلين سدة الحكم أو السلطة، لذا سمعنا بامرأة حديدية، وهي مارجريت تاتشر، ولم نسمع برجل حديدي، اللهم إلا رعد العملاق، وكانت هيلاري كلينتون أقوى من كلينتون ذاته، وبنظير بوتو أقوى من بوتو، وهكذا، ويكفي أن نختم السلسلة بالعجوز الشمطاء جولدا مائير التي قادت بلدها في حرب مفصلية مع العرب، وأظهرت صلابة أشد من صلابة هتلر وهو في قمة جنونه.
إذن، المرأة بطبيعتها، وفي العموم، مسالمة، وحنونة -مش مشكلة- وقلبها أبيض، وليسامحني القارئ، فإذا وجدنا ما هو عكس ذلك، فإن الأمر سيثير الاستغراب ولا شك، وآخر ما طالعناه، هو الإحصاءات التي أعلنت عنها اللواء سهيلة عبدالله المعرفي، رئيس وحدة الضبط النسائي التابعة لجهاز البحث الجنائي في طرابلس.
فالأرقام التي ذكرتها اللواء سهيلة تثير القلق وتدعو إلى التأمل العميق في عدد من القضايا الاجتماعية والاقتصادية والتربوية المتهم فيها نساء، وليبيات. فقد تم خلال خمسة أشهر فقط القبض على 365 امرأة، وتنفيذ 20 أمر ضبط، وإحالة 229 امرأة الى النيابة العامة، وبإجمالي 614 حالة خلال نحو 150 يومًا، وبمعدل يتراوح بين 4 و5 حالات يوميًّا، وهو رقم يستدعي وقفة جدية؛ لدراسة أسباب هذه الظاهرة ودوافعها.
لكن عمومًا ارتفاع نسبة المجرمين من العنصر النسائي في بلدنا المحافظ، صاحب المليون حافظ للقرآن الكريم، يستدعي فعلًا التوقف، فالأمر له عوامل اجتماعية واقتصادية وأمنية. فالعامل الاجتماعي أراه يتمثل في فقدان العائل، بسبب الحروب التي توالت داخل ليبيا منذ العام 2011م. وخلفت أرامل ويتيمات فقدن العائل، مع ضعف المتابعة والرعاية الاجتماعيتين.
وليست لدي إحصائية دقيقة عن عدد الأرامل واليتيمات، لكن المؤشرات تفيد بارتفاع النسبة، وضعف المتابعة سواء من الجهات الحكومية أم الأهلية، وهذا الأمر مدعاة إلى الانحراف إلى طريق الجريمة.
فإذا بحثنا في العامل الاقتصادي فالأمر غير خاف، فكثير ممن فقدن العائل يواجهن قلة الدخل، وربما انعدامه، مع إشكاليات قلة السيولة التي يعاني منها الليبيون جميعًا وارتفاع أسعار السلع والخدمات، وهذه كلها أمور تؤدي بطبيعة الحال إلى ارتفاع نسبة الجريمة.
وأخيرًا العامل الأمني، فليبيا بعد العام 2011م تعاني من تدهور الحالة الأمنية، نتيجة انتشار السلاح، وانقسام المشروعية، وانتشار الجماعات المسلحة خارج الأجهزة النظامية.
الأمر إذن تحكمه عدة عوامل ليست خافية على أحد، لأنه مرتبط باستقرار الدولة الذي ننشده جميعًا، لكن، وفي انتظار حدوث هذا، فعلى وزارة الشؤون الاجتماعية في ليبيا أن تقوم بواجبها، آخذة في الاعتبار هذا المؤشر الخطير عن تفشي الجريمة في ليبيا في شريحة النساء، وأن تراعي الأجهزة العدلية أن المرأة التي تضطر إلى الجريمة هي ضحية قبل أن تكون جانية، وعليها تطبيق ظروف التخفيف ما أمكن ذلك، فتطبيق العقوبة على المرأة، خاصة غير العائدة، أي تلك التي ارتكبتها لأول مرة، ضرره أكبر من نفعه، وكما يفيد المجتمع معاقبة الجاني، فالفائدة الأكبر ألا ترتاد نساؤه السجون، وأن يعطين الفرصة للتوبة، بدلًا من إقفال طريق الصلاح عليهن.

زر الذهاب إلى الأعلى