مقالات الرأي

الهجرة والتوطين.. تحديات السيادة


بقلم/ ناصر سعيد
يشهد ملف الهجرة غير النظامية والتوطين في بلادنا تطورات متسارعة جعلته يتصدر اهتمامات الرأي العام والمؤسسات الرسمية على حد سواء، بعدما تحول من قضية أمنية وإنسانية مرتبطة بعبور المهاجرين نحو أوروبا إلى قضية وطنية تتعلق بالأمن القومي والتركيبة السكانية ومستقبل الاستقرار الاجتماعي.
وخلال الفترة الأخيرة برزت حالة من الرفض الشعبي الواسع لأي مشاريع أو ترتيبات يُنظر إليها على أنها تمهد لتوطين المهاجرين داخل ليبيا بصورة دائمة، حيث شهدت العديد من المدن مواقف وبيانات وتحركات مجتمعية تعبر عن القلق من تنامي أعداد المهاجرين غير النظاميين واستمرار تدفقهم عبر الحدود الجنوبية، في ظل أوضاع إقليمية معقدة وصراعات تشهدها دول الجوار الإفريقي.
ولم يعد هذا الموقف مقتصرًا على الشارع فقط، بل امتد إلى مؤسسات الدولة والهيئات الرسمية والبلديات والقوى السياسية والاجتماعية التي أكدت -في مناسبات متعددة- رفضها لأي حلول دولية لأزمة الهجرة تقوم على إبقاء المهاجرين داخل الأراضي الليبية أو تحويل البلاد إلى منطقة استقرار بديلة عن الدول الأوروبية، معتبرة أن مثل هذه التوجهات تمثل عبئًا إضافيًّا على دولة لا تزال تواجه تحديات سياسية وأمنية واقتصادية كبيرة.
لقد ساهمت سنوات الانقسام السياسي في ضعف السيطرة الكاملة على الحدود الجنوبية الممتدة وجعل البلد نقطة جذب وعبور لعشرات الآلاف من المهاجرين القادمين من دول إفريقية مختلفة، كما استفادت شبكات تهريب البشر والجريمة المنظمة من هذا الواقع لتطوير أنشطتها وتحويل ملف الهجرة إلى تجارة عابرة للحدود تدِرُّ أرباحًا ضخمة على حساب أمن الدول واستقرار المجتمعات.
وتزداد المخاوف مع ظهور مؤشرات على تحول بعض تجمعات المهاجرين من حالة العبور المؤقت إلى أشكال من الاستقرار النسبي داخل بعض المدن والمناطق، وهو ما يثير تساؤلات حول الآثار الديمغرافية طويلة المدى في ظل التراجع النسبي لمعدلات النمو السكاني المحلي.
كما ترتبط هذه المخاوف بجملة من التحديات الأمنية، التقارير الأمنية تؤكد أن بعض شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود تستغل مسارات الهجرة غير النظامية في أنشطة التهريب والاتجار بالبشر والمخدرات والوقود وغيرها من الجرائم، الأمر الذي يتطلب تعزيز قدرات الأجهزة الأمنية لضبط الحدود ومكافحة هذه الظواهر.
وفي المقابل، من المهم التأكيد على أن رفض التوطين أو المطالبة بتنظيم الهجرة لا يعني تبني خطاب عدائي تجاه الشعوب الإفريقية أو المهاجرين أنفسهم، فالكثير منهم ضحايا للفقر والنزاعات المسلحة وانعدام فرص التنمية في بلدانهم، كما أن القيم الدينية والإنسانية للشعب الليبي تفرض التعامل معهم بكرامة واحترام حقوقهم الأساسية وفق القوانين والمواثيق الدولية.
غير أن البعد الإنساني لا يلغي حق الدولة في حماية سيادتها وحدودها وأمنها القومي والحفاظ على توازنها السكاني والاجتماعي، ولذلك فإن المطلوب اليوم هو تبني استراتيجية وطنية شاملة تقوم على عدة مرتكزات أساسية، في مقدمتها تأمين الحدود الجنوبية، وتطوير منظومة مراقبة الحدود، وتفكيك شبكات التهريب والاتجار بالبشر، وتنظيم العمالة الأجنبية وفق احتياجات سوق العمل والقوانين النافذة، ورفض أي ترتيبات دولية تتجاوز الإرادة الوطنية أو تسعى إلى فرض حلول أحادية الجانب.
كما أن نجاح أي مقاربة لمعالجة هذا الملف يتطلب موقفًا وطنيًّا موحدًا يجمع المؤسسات الرسمية والقوى السياسية والمجتمعية، بعيدًا عن الانقسامات والخلافات، باعتبار أن قضية الهجرة غير النظامية والتوطين ليست شأنًا محليًّا محدودًا، بل قضية سيادية ترتبط بمستقبل الدولة الليبية وأمنها واستقرارها لعقود قادمة.
إن ما تشهده ليبيا اليوم من حراك شعبي ورسمي متزايد تجاه هذا الملف يعكس إدراكًا متناميًا لحجم التحديات المرتبطة به، ويؤكد أن معالجة الأزمة يجب أن تتم وفق رؤية وطنية متوازنة تجمع بين حماية الأمن القومي واحترام المبادئ الإنسانية، بما يحفظ سيادة الدولة الليبية ويصون حقوق مواطنيها ويجنب البلاد تداعيات ديمغرافية وأمنية قد تكون آثارها بعيدة المدى.

زر الذهاب إلى الأعلى