الثقافة الصحية والثقة من الفطرة واليقين إلى السوق والشك

الثقافة الصحية في ليبيا في أربعينات وخمسينات القرن الماضي كانت غريزة جماعية تتشكل من التجربة وتُصاغ في الذاكرة وتُورث كما تُورث الحكايات.
في زمن كان فيه الطبيب نادراً والمرفق الصحي استثناءً والأمية قاعدة والفقر سياقاً عاماً للحياة، لم يكن أمام الإنسان إلا أن يصنع لنفسه منظومته الصحية الخاصة، من الأرض ومن السماء ومن الإيمان ومن الجسد نفسه. في تلك الحقبة لم تكن الثقة تُبنى على الشهادات إنما على الحضور.
كان الممرّض المقيم في المستوصف البسيط وإن جاء من منطقة أخرى يمثل الدولة والعلم معاً. لم يكن طبيباً لكنه كان كل ما هو متاح من الطب.
كان يداوي ويحقن ويجبّر ويضمد ويتخذ قرارات تتجاوز توصيفه المهني، ومع ذلك كانت الثقة فيه مطلقة لا ينازعها شك. لم تكن هذه الثقة نتيجة معرفة علمية إنما نتيجة غياب البديل وحضور الحاجة وصدق العلاقة الإنسانية المباشرة. وفي موازاة ذلك استمرت منظومة الطب الشعبي ليس كبديل إنما كامتداد طبيعي للحياة.
الأعشاب التي تنبت في الجبال والبراري لم تكن مجرد نباتات، كانت صيدلية مفتوحة. والعشابون والعطارون كانوا خبراء بيئة وجسد يعرفون ما يخفف الألم وما يهدئ الحمى وما يرمم التوازن. وإلى جانبهم كان الفقهاء يقدمون شكلاً آخر من العلاج يربط المرض بالروح ويعالج القلق بالدعاء والخوف باليقين. كانت الحجامة والكي والخرث والأبخرة والزار كلها تعبيرات عن محاولة الإنسان لفهم الألم حين يعجز العلم عن الوصول إليه.
ثم جاء التحول مع بروز الدولة الحديثة وظهور المرافق الصحية واستجلاب الكوادر المؤهلة من الخارج، بدأت علاقة جديدة تتشكل بين المجتمع والنظام الصحي.
لم يعد العلاج فعلاً فردياً أو تقليدياً أصبح مؤسسياً وتقلصت الأمية واتسعت دائرة التعليم وبدأت الثقة تنتقل من الأشخاص إلى النظام.
وعندما عاد أوائل الأطباء الليبيين من الخارج لم يكونوا مجرد أطباء إنهم كانوا رمزاً للنهضة ومصدر فخر واعتزاز وتجسيداً لإمكانية أن يكون ابن البلاد حاملاً للعلم والمعرفة. في تلك المرحلة كانت الثقة في أعلى مستوياتها.
كان المريض يرى في الطبيب خلاصاً، وفي المستشفى ملاذاً وفي الممرض امتداداً للرعاية.
حتى مع بعض الممارسات التي قد تبدو اليوم مبالغاً فيها ككثرة الأدوية أو الإكثار من الحقن أو تقدير الجراحة بعدد الغرز إلا أن ذلك كان جزءاً من ثقافة ترى في الفعل الطبي المكثف دليلاً على الكفاءة والاهتمام. وكانت رائحة الكحول الطبي، ونظافة المرفق وانضباط الطاقم، مؤشرات كافية لبناء الثقة. لكن هذه الثقة لم تكن محصنة.
مع مرور الزمن، بدأ التراجع. لم يكن تراجعاً مفاجئاً إنما كان تآكلاً بطيئاً في البنية في ضعف في التعليم الطبي، وغياب التدريب السريري الحقيقي، واختلالات عميقة في منظومة التمريض وتراجع في معايير التأهيل.
ومع تحول الخدمات الصحية إلى سوق مفتوح، لم يعد المريض مواطناً في نظام إنما صار زبوناً في سوق.
وهنا حدث الانكسار. والثقة التي كانت يوماً مطلقة أصبحت موضع شك.
والعلاقة التي كانت إنسانية أصبحت تعاقدية والطبيب الذي كان رمزاً أصبح في بعض الحالات مقدماً لخدمة مدفوعة، تحكمها حسابات الربح والخسارة.
ومع غياب الحوكمة وضعف البروتوكولات وتفتت النظام الصحي، لم يعد هناك معيار واضح يطمئن المريض أو يضبط الممارسة. ثم جاء الفضاء المفتوح والمزحوم ووسائل التواصل الاجتماعي لم تكتفِ بنقل المعلومة، إنما أعادت تشكيل الوعي الصحي نفسه. واختلط العلم بالشائعة والخبرة بالدعاية والعلاج بالتسويق.
ظهرت طبقات جديدة من التأثير مؤثرون وإعلانات ووصفات سريعة، وحلول سحرية، وتقنيات تُعرض كأنها خلاص نهائي.
أصبح المريض يتلقى معلومات أكثر مما يستطيع استيعابه، لكنه يفتقر إلى القدرة على التمييز. وهنا لم تعد المشكلة في نقص المعرفة، إنما في فوضاها. وفي هذا السياق لم تعد الثقافة الصحية مجرد ضعف إنها أصبحت تشويشاً. ولم يعد غيابها هو الخطر بل وجودها في شكل مشوّه. فالثقافة الصحية حين تُبنى على معلومات غير موثوقة تصبح أكثر ضرراً من الجهل نفسه.
والثقة حين تُهدم لا تُستعاد بسهولة. اليوم تقف ليبيا كما كثير من الدول أمام مفترق طرق إما أن تُعاد صياغة العلاقة بين المجتمع والنظام الصحي على أساس العلم والشفافية والعدالة وإما أن يستمر الانزلاق نحو سوق بلا ضوابط وثقافة بلا مرجعية وثقة بلا أساس.
إن استعادة الثقة لا تبدأ من الأجهزة والمباني إنما من الإنسان ومن تأهيله وصدقه والتزامه. وتبدأ أيضاً من إعادة الاعتبار للثقافة الصحية كمسؤولية مجتمعية وليس كمنتج إعلامي.
فالصحة ليست سلعة والثقة ليست إعلاناً والطب ليس تجارة.
لقد عاشت ليبيا زمناً كانت فيه الثقة تُمنح بلا شروط، ثم دخلت زمناً تُسحب فيه بلا تردد. والتحدي اليوم ليس في استعادة الماضي، إنما في بناء مستقبل تكون فيه الثقة مستحقة وليس مفترضة، والثقافة الصحية واعية وليست مشوشة، والنظام الصحي عادلاً وليس سوقاً مفتوحاً. لأن تكلفة فقدان الثقة في النهاية لا تُقاس بالمال فقط إنما تُقاس بالصحة وبالحياة وبمستقبل أمة كاملة.
د.علي المبروك أبوقرين
