مقالات الرأي

الأحزاب السياسية في ليبيا


بقلم / حسن البرقلي
الحزب السياسي هو عبارة عن مجموعة من الأفراد ذوي المصلحة الواحدة أو الرؤية الواحدة تعمل ضمن نسق واحد من أجل التضامن والعمل من أجل السيطرة الكلية أو الجزئية على النظام السياسي القائم في بلد ما من أجل تحقيق أهداف مشتركة متفق عليها سلفًا. وتعتبر الأحزاب السياسية عمومًا ظاهرة حديثة تعود جذورها بوضوح إلى بروز القلاقل والتحولات الاجتماعية التي صاحبت قيام الثورة الصناعية وظهور الطبقة الوسطى في أوروبا، وبالتالي هي أوروبية المنبت، وهناك عدة أنماط من الأحزاب كالتالي: نظام الحزب الواحد، نظام الحزبين ونظام التعددية الحزبية.
ولما كانت الأحزاب السياسية هي الأكثر تأثيرًا بين جميع العوامل المؤثرة في بناء الدول، لأسباب عدة، منها كون أعضاء الحزب يعدُّون في أغلب الأحيان من النخبة المتعلمة وصفوة المجتمع، وكذلك كونهم يعملون في مجال السياسة، وهي الأقرب إلى الدولة وبنائها وأدوات الحكم وغيرها من الأمور المرتبطة بالسياسة، وكذلك لكون الأحزاب السياسية هي واجهة الشعب للعالم الخارجي، وكما أسلفنا فإن الحزب السياسي، بطبيعة عمله والعاملين فيه من مكونات، يعتبر هو الأكثر قربًا في عملية التأسيس والبناء والأكثر تأثيرًا.
وإن كانت ليبيا عرفت نوعًا من التجارب السياسية بشكل محدود جدًّا من خلال انضمام بعض اللبيين إلى الأحزاب والحركات السياسية التركية في إسطنبول إبان الاحتلال التركي إلا أنها لم تعرف الظاهرة الحزبية بشكلها الحديث إلا مؤخرًا بعد زوال الاحتلال التركي ودخولها في مرحلة الاحتلال الإيطالي (1911- 1945)، الذي شهد بعض المحاولات هنا وهناك في هذا الإطار، وليس غريبا إن كان عديد الليبيين قد انضموا إلى الحزب الفاشستي الإيطالي غداة حكمه لليبيا.
وما يلاحظه الباحث في التاريخ السياسي الليبي أن نهاية الحرب العالمية الثانية كانت بداية حقيقية لميلاد الأحزاب السياسية الليبية وتبلور هذه الظاهرة الحزبية ما يدلل على أن فترة الاستعمار الإيطالي شهدت نوعًا من المخاض السياسي الذي أفرز نوعًا من النخب السياسية التي استطاعت تشكيل أحزاب سياسية سواء داخل الوطن أم في المهجر الليبي – مصر – تركيا – تونس، هذا على المستوى التنظيمي، أما على المستوى الفردي فإن الليبيين عرفوا الأحزاب السياسية وانضموا إليها وعملوا فيها سواء أكان ذلك في تركيا أم مصر أم إيطاليا… إلخ.
من خلال التاريخ السياسي الليبي يمكننا تقسيم تاريخ الأحزاب السياسية إلى ثلاث مراحل على النحو التالي:
نشأة الأحزاب السياسية في ليبيا 1945 – 1955م: وهي ما يمكن أن نطلق عليه مرحلة التأسيس للعمل الحزبي المعلن، وهي تعد اللبنة الأولى في معمارية السياسة الليبية، وما كادت ليبيا تتحرر من قبضة الاستعمار الإيطالي بهزيمته في الحرب العالمية واندحار قواته العسكرية ووقوع ليبيا تحت الانتداب البريطاني بموجب القرار الأممي وتواجد الإدارة البريطانية على التراب الليبي حتى أخذت الفئات الداعية سياسيًّا تتحرك مطالبة بالاشتراك في الإدارة وإنشاء أحزاب سياسية تعبر عن الأماني الوطنية، وقد تأصلت جذور الأحزاب في ليبيا إما في جماعات تكونت في وقت مبكر إبان الاستعمار الإيطالي، وإما في جماعات أنشأها المهاجرون وهم في المنفى. وعندما اندحرت القوات الإيطالية عن الأراضي الليبية وعاد هؤلاء المهاجرون إلى العمل السياسي وأصبحت الدعوة الوطنية هي الخطاب المهيمن في هذه الفترة الزمنية وبروز ذلك النشاط الثقافي السياسي في بادئ الأمر من خلال النوادي الثقافية والأدبية وتحكم الأجواء السياسية السائدة آنذاك وجدت نفسها مدفوعة في التيار السياسي.
وسمحت الإدارة البريطانية غداة توليها الشؤون الليبية بإنشاء الأحزاب السياسية والتجمعات السياسية، وخلال هذه الفترة من حكم الإدارة البريطانية انشغل الرأي العام الليبي بثلاث قضايا مهمة ألا وهي: الاستقلال، وحدة الأراضي الليبية بأقاليمها الثلاثة طرابلس- برقة- فزان والإمارة السنوسية.
اتفقت جميع القوى السياسية المتواجدة على الساحة الليبية على النقطة الأولى، ويرجع ذلك إلى إجماع الليبيين في كل ربوع ليبيا على رفض الاستعمار الإيطالي جملة وتفصيلًا، ويتجلى ذلك في المعارك التي خاضها الليبيون في أغلب المناطق الليبية.أما الخلافات التي دارت حول رؤيتها للنقطتين الثانية والثالثة فيرجع ذلك في رأيي إلى الأسباب التالية:
أولًا: اتساع الرقعة الجغرافية في ليبيا، حيث مساحتها نحو مليون وستمائة وسبعين ألف كيلو متر مربع، هذا يقابله ندرة في أعداد السكان، نحو ثمانية ملايين نسمة مقارنة بدول العالم الأخرى وقلة في وسائل الاتصال والمواصلات إضافة إلى ندرة الموارد الاقتصادية.
ثانيًا: أغلب السكان كانوا يتركزون في مدن مثل طرابلس وبنغازي وسبها بشكل منفصل، ويغلب على التشكيلة الاجتماعية فيها الطابع القبلي والجهوي، ما أسهم في الرغبة في العيش بشكل مستقل عن بقية المناطق الأخرى، وجعل وحدة البلاد محل نقاش وجدال واسع بين النخب والقواعد الشعبية.
ثالثًا: أما موضوع الإمارة السنوسية فصحيح أن الحركة السنوسية وجدت في المنطقة الشرقية وتحصلت على الدعم الشعبي، إلا أن ذلك لم يكن له وجود في المنطقة الغربية والجنوبية من الزوايا السنوسية مثل المنطقة الشرقية وغداة إعلان الاستقلال الذاتي لبرقة سنة 1949 أمست الحركة مجالًا لنقاش سياسي يدور بين أبناء الشعب الليبي ما أسهم في خلاف حاد بين الأحزاب السياسية آنذاك.

زر الذهاب إلى الأعلى