مقالات الرأي

اللاهوت وإشكالية التطهير: في التطهير 12


بقلم / مهدي امبيرش
المتتبع لكل هذه المداخلات على هذه الصفحة يتضح أنها تسير في مجرى واحد بدءًا من تناولنا لما وصفناه بأزمة آدم وزوجه إلى اليوم، وقد تناولنا في هذه المداخلات محاولة لمقاربة السؤال الفلسفي الكبير، ما الإنسان؟ إلى الربط بين الإنسان واللسان على أساس أن اللسان يكشف عن منهج التفكير، وأن الاختلاف بين الأمم هو اختلاف في هذا المنهج والألسن، وقلنا إن اللسان ليس اللغة، بل إن اللغة بمختلف أنواعها هي الوسيلة أو الوسيط الذي يمكن أن تعبر به الأفكار من المفكر إلى المفكر المقابل، بالشرط الذي ذكرناه والذي عبر عنه القرآن الكريم، إنه ليس السمع، بل نية وقصدية الاستماع، وهو الذي عبر عنه القرآن بحالة إلقاء السمع، وبالجملة الحالية في قوله (وهو شهيد)، والشهيد ليس الشاهد، بل ليس وعي الحضور، ومجيء الحال جملة اسمية يؤكد الذي ذهبنا إليه.
هنا تظهر عبقرية اللسان العربي، سواءً من إحالتنا إلى عملية التفكير في الذهن، وأن العربية كيان حي متحرك، أي له نفس، وأن إرادة فعل الكلام تصدر عن الروح، حيث ذكرنا أن الكلمة ليست اللفظ، وكل المخلوقات بما في ذلك مظاهر الطبيعة، كهدير الموج أو قصف الرعد أو حفيف الأغصان أو زقزقة العصافير كلها لغات ولها مفاهيم يخضع بعضها لمنطق الفيزياء، والأخرى قد يضاف إليها منطق الحياة ولهما ضمن أطوار خلق الإنسان، وتمظهرات التفكير إلا أن الإنسان يتفوق فوقها بالروح التي هي الإرادة والتي ذكرنا أن الله تعالى خلق الكون بكلمة هي كن فيكون، وقلنا عند تناولنا في الفرق بين الموجود والكائن في العربية إلا أن الكون في علم الله وجود، وأن الأمر بكن هو تقدم من الوجود بما هو علم إلهي إلى الموجود بما هو ممكن الإدراك أو إنه المعرفة.
ربما نعيد الذاكرة مرة أخرى إلى ما كتبناه حول أزمة آدم وزوجه، حيث تعلم آدم العلاقة بين المسمى والاسم، وأن المسمى يكون موجودًا، وأن الاسم يكون إليه، وهذا ضمن محدود المعرفة الإنسانية، ومن ثَم كان طلب الله تعالى من الملائكة (أنبئوني بأسماء هؤلاء) إنما يفتحنا على فضاء واسع في التفكير البياني العربي الواسع حول اسم الإشارة، إذ لا تتم الإشارة إلا لموجود أو في حكم الموجود، أي أن المسميات في علم الله وجود، وأن آدم والملائكة تدرك هذه الموجودات، ولكنها لا معرفة لها بأسمائها، حيث تمكن آدم بالروح التي نفخت فيه من الربط بين الاسم والمسمى، وهذه في حد ذاتها أزمة معرفية لا تزال قائمة إلى اليوم، أشرنا إلى بعضها في تناول أفلاطون لها في محاورة كراتيلوس في التفريق بين الأسماء المقدسة وبين تلك الوضعية والاتفاقية ولنا أن نذكر إن المفكر الألماني مارتن هايتغر أسس فلسفته على الإشارة، في المصطلح الألماني ( Da Sein )، الذي تناول فيه مشكلة الوجود هناك والتي فرقنا فيه في العربية بين الوجود المطلق غير المحدود وغير المتحيز في الظرف، أي الوجود بما هو وجود، وهو غير الموجود بالذي هو موجود، والذي تقدمنا بمنهج التفكير المسلم إلى الله موجد الوجود ضمن علاقة التضايف بين الفعل والفاعل، وقلنا في العربية إن الفاعل له قوة، وأنه بهذه القوة يتقدم عند أنه موجود، ومن ثَم يكون الرفع قيمة يستحقها.
وفي العربية يكون الخطأ في نصب الفاعل أو جره خطأً قيميًّا وأخلاقيًّا،إضافةً إلى أن الرمز الخطي مهم جدًّا في عملية الإعراب، وهو الذي تجاهلناه والذي يجب أن نعيده من جديد، فالإشارات على الرمز الخطي هي علامات تحيلنا إلى العمليات التي تتم في الذهن، حيث الحركة هي الأساس في العربية، وأن السكون هو اللاحركة، حيث قلنا إن رسم السكون دائرة مقفلة يدل على هذا الوضع السكوني، وهذا بخلاف الألسن واللغات الأعجمية، فالإنجليزية مثلًا كلها أصوات ساكنة تقوم على أساس العلاقة الذرية الاستقلالية بين الصوت والآخر، وأن كل صوت لا مفهوم له إلا بالتركيب الذي يسمح بالتفكيك، وهذا لأنه منهج تفكير ينعكس على نظرتهم للعلاقات الإنسانية، حيث إن الإنسان مستقل عن الإنسان الآخر وكأنه ذرة لا مفهوم لها إلا بالتركيب الذي يجعلها تتخذ وضعًا داخل الشكل، فإذا كان هناك من حركة فإنها تتم بصورة فردية داخل الشكل، وهو الذي بنيت عليه الليبرالية اليوم، قد يستفهم البعض ما علاقة هذه المقدمة بالأطروحات التي نتناولها في أزمة التطهير وعلاقتها بالصوفية العدمية.
دعونا نشِرْ على عجالة إلى الموقف الذي اتخذه أفلاطون من الموجودات المدركة حولنا، وأنه قال إنها قد تبدو موجودات واقعية، ولكنها ليست سوى ظلال الحقيقة أو المثل المفارقة في السماء، وإن كان لها من وظيفة فهي تذكرنا بالمطلق المفارق في السماء، هنا يكون التجريد الصوفي، أي الأعداد المجردة هي الوسيلة لتعيدنا إلى السماء ولهذا قلنا إن أفلاطون مر بمرحلتين المرحلة الأولى هي ما يسمى بالعقلانية وهي التي أوصلته بعد ذلك إلى التجريد الصوفي كما حصل مع أبي حامد الغزالي، وأغلب المتصوفة إلى اليوم على أنها أزمة معرفية لا تختلف عن أزمة آدم، في الرغبة في إدراك المطلق والملك الذي لا يبلى، وبمصطلح اللساني إدراك المعنى ويكون الفردوس المفقود هو المعنى المفقود، حيث قلنا مرارًا إن أسماء المعاني لا يمكن إدراكها، وإن الذي نراه اليوم ليس سوى الصور التي في الذهن، وإن العالم عالم صور، حتى أن نظرية المحاكاة عند أفلاطون يمكن أن تفهم إلى حد ما على أنها الصور لا الموجودات، والفرق في أن أفلاطون يجعل الصور هي الأولى وأنها مفارقة في السماء في حين أننا نقول إن الصور في الذهن، وهذا ما سوف نتناوله عند تناول مصطلحات (الأنطولوجيا)، و(الفينومولوجيا) في المصطلحات الحديثة وأصولها الأفريقية وموقفنا منها من خلال مبحث التطهير والتطهير الصوفي.

زر الذهاب إلى الأعلى