مقالات الرأي

إيران تعود إلى واجهة التاريخ


بقلم/ فرج بشير عيواز
الجغرافيا ليست حيزًا مكانيًّا، ولا حدودًا جغرافية وحسب؛ بل هي أحد أهم عوامل القوة الاستراتيجية للدول، بما تملكه من تأثيرات اقتصادية وعسكرية وسياسة وهي أهم ركائز نجاح الأمم وتطورها.
ومع التسارع الهائل في التكنولوجيا ذات الاستخدام المزدوج المدني والعسكري، بدا وكأن التفوق التقني، قادر على تجاوز قيود الجغرافيا والتاريخ، وأن الحرب يمكن حسمها عبر التفوق التكنولوجي والقدرات الاستخباراتية والهيمنة الجوية والسيبرانية.
غير أن الصراعات المعاصرة، أثبتت أن الجغرافيا لا تزال عنصرًا حاسمًا في فرض التوازنات الإقليمية والدولية، وأن هناك معطيات جغرافية يصعب تجاوزها مهما بلغ حجم التطور التقني.
وتبرز التجربة الإيرانية، بوصفها نموذجًا جديرًا بالاهتمام، من حيث توظيف العوامل الجغرافية، في استراتيجية بناء قوة ردع تكون قادرة على مواجهة التقنيات الحديثة، التي يعول عليها في حسم المعركة قبل بدئها.
وصمود إيران، في مواجهة عملية “الغضب الملحمي” لم يكن صدفة، كما لا يمكن تفسيره باعتباره دليلًا على ضعف أمريكا والعدو الصهيوني، بقدر ما يطرح جملة من الأسئلة الجوهرية، حول كيفية إدارة المعركة عسكريًّا وسياسيًّا، وآليات توظيف الجغرافيا في سد ثغرات التفوق التكنولوجي للعدو.
وبتحليل الأسلوب الذي تدير به إيران الحرب، سواء على الصعيد العسكري أم الدبلوماسي، يتضح جليًّا أن إيران تدير المعركة على مستوى عالٍ من التنظيم والثقة بالنفس، في مقابل حالة من التردد وتبدل الخطاب لدى الطرف الآخر، سواء في تحديد الأهداف أم رسم حدود التصعيد، فبعد أن كان الهدف هو إسقاط النظام واستبداله بنظام غير أيديولوجي ومدجن، أصبحت محطات الطاقة والجسور وغيرهما من البنى التحتية المدنية، والمحمية بموجب القانون الدولي الإنساني هي أهداف العدوان، ويؤكد على فشل العملية أيضًا الإعلان عن انتهائها، قبل تحقيق أهدافها، وإعلان مشروع الحرية يوم 4/5/2026م والذي انتهى بمجرد الإعلان عنه.
وبالنظر إلى ميزان القوة، فأمريكا تتفوق عسكريًّا وتقنيًّا واقتصاديًّا، سواء من حيث الإنفاق الدفاعي أم القدرات الجوية والفضائية بالإضافة إلى الذكاء الاصطناعي والاستطلاع والقيادة والسيطرة، ومع ذلك فشلت في تحقيق أهدافها.
فكل يوم يمرُّ يزيد من تعقيد الأوضاع على الإدارة الأمريكية، وأصبح التفاوض على فتح مضيق هرمز، المشكلة التي لم تكن موجودة هي أولوية أمريكية، وورقة ضغط إيرانية.
فالنجاح الإيراني، كان نتيجة مباشرة لخطط استراتيجية بعيدة المدى، امتازت بالاستباقية في التخطيط، ومرونة في اتخاذ القرار، ومن أهم هذه الميزات هو الاهتمام بالجبهة الداخلية وتحصينها ضد أي حرب إعلامية أو نفسية، وتوطين الصناعات الدفاعية، وأيضًا أخذ التهديدات الأمريكية والصهيونية محمل الجد، وشعارات الموت لأمريكا وتحرير فلسطين، لم تكن هتافات للاستهلاك الداخلي أو دعاية خارجية، فالأحداث أثبتت أنها من صلب العقيدة الوطنية الإيرانية.
ومن منظور عسكري، فعنصر المفاجأة الاستراتيجية، يكون دائمًا لصالح القوة البادئة بالهجوم، وخصوصًا عندما تتحقق أهداف المباغتة بدقة عالية من الإتقان؛ ولكن ما حدث هو العكس، فبدل أن تكون أمريكا هي التي تمسك بزمام المبادرة، وتقوم بتطوير نجاحها، أصبحت أفعالها تأتي كردة فعل على نجاحات الحرس الثوري، وأصبح زمام المبادرة بيد إيران، وخصوصًا حين فجرت المفاجأة الاستراتيجية وهي غلق مضيق هرمز والسيطرة عليه.
ومن زاوية عسكرية بحتة، بعيدًا عن التداعيات الاقتصادية، ففشل محاولات فتحه بالقوة، تضاف إلى الفشل الاستخباراتي، لأن هذا الإغلاق وبهذا الإحكام لم يكن ردة فعل، بل عملًا مخططًا له ومدروسًا على مدى بعيد، وهو فشل مزدوج، فشل في رصد تحركات إيران في المضيق وفشل في التنبؤ بنوايا إيران، واستراتيجيتها الدفاعية، ونتيجة ذلك، فشلت استراتيجية الحرب الخاطفة، واستراتيجية الرعب والصدمة، وأصبحت الخيارات الأمريكية أكثر تعقيدًا، فكل المخارج المتاحة سيئة، بما فيها الخيار الدبلوماسي، وحتى خيار استخدام السلاح النووي، محفوف بالمخاطر، وخصوصًا بعد أن اتضح أن التقارير الاستخباراتية عن إيران غير دقيقة، وهذا ما يفسر حرص أمريكا على استلام 460 ك من اليورانيوم المخصب، أو التخلص منه داخل إيران تحت إشرافها المباشر.
هذا على الصعيد الداخلي، أما على الصعيد الخارجي فقد استثمرت إيران الأوضاع الإقليمية والدولية، فعقدت معاهدات شراكة استراتيجية مع روسيا الاتحادية والصين وغيرهما من دول العالم، رافق ذلك دعم معنوي ومادي، الأمر الذي كان له الأثر الإيجابي، على تماسك النظام والتفاف الشعب حوله.
وعملت إيران على دعم المقاومة في لبنان وفي اليمن وفي العراق، وهذه القوى لم تقف متفرجة، بل انخرطت في المعركة دعمًا لها.
وبهذا التوظيف الاستراتيجي للجغرافيا، استطاعت إيران أن تبني قوة ردع قلبت موازين القوة في الشرق الأوسط، وفرضت معادلات جديدة. ويرى البعض أن إيران، حققت مكاسب استراتيجية، مقابل خسائر مادية باهظة، وهذا أمر طبيعي، فالقوتان غير متكافئتين، وإيران في حالة دفاع والمعركة تدور على أرضها، ولذلك فمن الطبيعي أن تكون خسائرها البشرية والمادية كبيرة، والأهم من ذلك هو نجاح إيران في توظيف عوامل الجغرافيا لبناء قوة ردع استراتيجي، أعادتها لواجهة التاريخ.

زر الذهاب إلى الأعلى