ليبيا والهجرة غير النظامية وصناعة المأزق الصحي المركب

بقلم / د.علي المبروك أبوقرين
لم تعد ليبيا مجرد دولة عبور جغرافي على خارطة الهجرة الإفريقية نحو أوروبا إنما تحولت خلال العقد الأخير إلى فضاء صحي هش تتقاطع فيه مسارات البشر مع مسارات الميكروبات، وتتشابك فيه الأزمات السياسية مع الأزمات الوبائية، لتنتج واحدة من أعقد البيئات الصحية في الإقليم.
فالدولة التي كانت تمتلك في عقود سابقة نظامًا صحيًا قادرًا على السيطرة على العديد من الأمراض المتوطنة، تجد نفسها اليوم أمام تحدٍ غير مسبوق في تدفقات بشرية بالملايين من عشرات الجنسيات الإفريقية، تتلاقى في بيئة منهكة تعاني من انهيار البنية التحتية الصحية، وضعف الرصد الوبائي، وتآكل الخدمات الأساسية.
في هذا السياق لا يمكن فهم المشهد الصحي في ليبيا بمعزل عن الخريطة الوبائية للقارة الإفريقية، حيث تنتشر أمراض معدية ومتوطنة تشكل عبئًا عالميًا كبيرًا، مثل الملاريا والسل وفيروس نقص المناعة البشرية والكوليرا إلى جانب الأوبئة الناشئة مثل جدري القردة والإيبولا، والأمراض المدارية المهملة.
هذه الأمراض لا تتحرك فقط عبر الجغرافيا إنما عبر الإنسان، ومع كل موجة هجرة تنتقل معها خرائط جينية معقدة من الفيروسات والبكتيريا والطفيليات. تتمثل الخطورة الحقيقية في أن ليبيا لا تستقبل مهاجرين من بيئة صحية واحدة، ولكن من طيف واسع من البيئات الوبائية المختلفة من دول غرب إفريقيا التي تشهد نشاطًا لفيروسات نزفية وأمراض منقولة بالنواقل، إلى دول شرق إفريقيا التي تتحمل العبء الأكبر من الإيدز والسل مرورًا بدول الساحل التي تعاني من سوء تغذية مزمن وضعف برامج التطعيم.
هذا التعدد لا يعني فقط زيادة عدد الأمراض، بل يعني تداخل سلالات متعددة من نفس المرض، وهو ما يفتح الباب أمام التحور الميكروبي وظهور أنماط مقاومة للعلاج. تتفاقم هذه الصورة عندما نضعها في سياق الواقع الليبي الداخلي.
فالنظام الصحي الذي يعاني من انقسام مؤسسي ونقص مزمن في التمويل والكوادر، غير قادر على استيعاب الضغط المتزايد. إن المستشفيات العامة تعاني من نقص في الأدوية والمستلزمات، ومراكز الرعاية الأولية ضعيفة أو غائبة في العديد من المناطق خاصة في الجنوب الذي يمثل بوابة الدخول الرئيسية للمهاجرين. هناك في مدن عدة، تتشكل ما يمكن وصفه بالمناطق العمياء صحيًا حيث لا وجود فعلي لنظم رصد وبائي قادرة على اكتشاف التفشيات في مراحلها المبكرة. في هذه البيئات يعيش المهاجرون في ظروف تفتقر إلى أبسط مقومات الصحة العامة واكتظاظ شديد ونقص في المياه الصالحة للشرب، وغياب أنظمة الصرف الصحي، وانتشار النفايات. هذه العوامل مجتمعة لا تؤدي فقط إلى انتشار الأمراض إنما تحول المكان إلى مُسرّع وبائي، حيث تتكاثر النواقل مثل البعوض والذباب والقوارض، وتنتقل العدوى بسرعة بين الأفراد.
وهنا لا تعود الأمراض أحداثًا فردية إنما تتحول إلى ظواهر جماعية يصعب احتواؤها. الأمر لا يقف عند حدود مجتمعات المهاجرين. فالتداخل اليومي بينهم وبين السكان المحليين خاصة في سوق العمل غير الرسمي، يخلق جسورًا مستمرة لانتقال العدوى.
العامل المهاجر الذي يعمل في البناء أو الزراعة أو الخدمات المنزلية، قد يكون حاملًا لمرض معد دون أعراض واضحة، لينقله بدوره إلى المجتمع المحلي الذي يعاني أصلًا من نفس الهشاشة في الخدمات الصحية. وهكذا تتشكل دائرة مغلقة من العدوى المتبادلة تتسع تدريجيًا لتشمل المجتمع بأكمله. من أخطر ملامح هذا المشهد هو عودة أمراض كان يُعتقد أنها تحت السيطرة أو في طريقها إلى الاختفاء.
فقد سُجلت حالات لعودة الملاريا والسل بما في ذلك الأنماط المقاومة للأدوية، وهي مؤشرات خطيرة على تراجع الإنجازات الصحية السابقة. كما أن الضغط على برامج التطعيم يؤدي إلى استنزاف المخزون الاستراتيجي من اللقاحات ما يهدد بظهور أوبئة يمكن الوقاية منها بسهولة في ظروف أفضل.
لكن التحدي الأعمق يكمن في ما يمكن تسميته بالمأزق الصحي المركب، وهو حالة تتولد من تفاعل عدة عوامل في آن واحد تدفق بشري كثيف وتنوع وبائي وبيئة معيشية متدهورة ونظام صحي عاجز. في هذه الحالة لا تكون المشكلة مجرد انتشار مرض معين إنما انهيار القدرة على الفهم والمتابعة والسيطرة. تختلط السلالات الميكروبية، وتضيع سلاسل العدوى ويصبح تتبع المخالطين شبه مستحيل ما يسمح للأوبئة بالانتشار بصمت حتى تصل إلى مراحل متقدمة.
هذا الواقع لا يمثل تهديدًا لليبيا وحدها إنما للأمن الصحي الإقليمي والدولي. فليبيا بحكم موقعها الجغرافي تمثل حلقة وصل بين إفريقيا وأوروبا، وأي تفش غير مسيطر عليه يمكن أن يمتد عبر مسارات الهجرة إلى ما هو أبعد من حدودها.
وبالتالي فإن التعامل مع هذه الأزمة لا يمكن أن يكون محليًا فقط إنه يتطلب مقاربة متعددة المستويات تشمل تعزيز النظام الصحي وتطوير نظم الرصد الوبائي، والتعاون الدولي الفعال.
وفي الختام تكشف الحالة الليبية عن حقيقة عميقة وهي أن الصحة ليست شأنًا طبيًا فقط فهي انعكاس مباشر للسياسة والاقتصاد والمجتمع.
وعندما تنهار هذه المنظومات لا تمرض الأجساد فقط، بل تمرض الدول بأكملها.
وفي عالم مترابط فإن مرض دولة ما قد يصبح تهديدًا للجميع ما لم يُفهم ويُعالج من جذوره.
