الأضحية والدواء وسكينة الغلاء

بقلم/ د. علي المبروك أبوقرين
الأضحية ليست شعيرة تُؤدى في موسم معلوم فحسب إنما كانت اختبارًا عظيمًا لمعنى الإيمان حين يُلامس حدود الفقد، وحين يُطلب من الإنسان أن يقدم ما يُحب وليس ما يفيض عنه. في قصة سيدنا إبراهيم وابنه إسماعيل لم تكن المسألة ذبحًا إنما كانت ذروة الطاعة وتجسيدًا نقيًا للثقة حيث يتقدم اليقين على الخوف والامتثال على التردد والوفاء على كل نزعة بشرية تُمسك بالحياة.
ومن هذه اللحظة وُلدت معاني لا تنتهي في العطاء والتضحية والصدق والعدل والتكافل والرحمة التي تتسع للجميع. لكن في زمان آخر وعلى أرض أخرى، تغيرت المعاني حين انتقلت من رمز روحي إلى سوق مادي ومن قيمة إنسانية إلى معادلة عرض وطلب. لم تعد الأضحية دائمًا في متناول اليد كما كانت، ولم يعد الدواء كذلك كلاهما دخل في دائرة التسعير والمضاربة والقدرة وليست الحاجة.
وهنا تبدأ المفارقة المؤلمة شعيرة تُذكرنا بالتضحية وسوق يُعلمنا القسوة. إن المريض اليوم لا يقف أمام الألم وحده بل أمام منظومة كاملة من العوائق. في المستشفيات العامة قد يتعطل الجهاز أو يتأخر الموعد أو يغيب الدواء أو يُشك في جودته. وفي الخاص ترتفع التكلفة حتى تصبح الصحة امتيازًا وليس حقًا.
وبين هذا وذاك يتأرجح الإنسان ليس كحالة طبية إنما كحكاية صبر تُستنزف يومًا بعد يوم. مريض السرطان وهو ينتظر جرعته، لا ينتظر علاجًا فقط فهو ينتظر فرصة للحياة وقد تُصبح هذه الفرصة رهينة سلسلة من الأعذار من نقص أو تأخير أو سوء إدارة أو خلل توزيع. ومريض السكري والقلب والأمراض المناعية يعيشون على إيقاع عدم الاستقرار الدواءٌ يتبدل والمصدر يتغير والتكلفة ترتفع والقلق لا ينتهي.
أما الأمراض النادرة فهي امتحان مضاعف في التشخيص وفي الوصول وفي التكلفة وفي الاستمرارية. وفي زاوية أخرى يقف من خضع لزراعة عضو يحمل حياته في علبة دواء يخشى انقطاعها أكثر مما يخشى المرض نفسه. وقد يضطر إلى البحث خارج الحدود في أسواق لا تُضمن ومصادر لا تُوثق لأن البديل هو المجهول. والطريق إلى العلاج في كثير من الأحيان ليس خطا مستقيمًا إنما متاهة من الإجراءات والفحوصات والموافقات والتأجيلات. وكل خطوة فيها احتمال تعثر وكل تعثر فيها احتمال خسارة.
وحتى الطبيب الذي يُفترض أن يكون ملاذًا قد يتحول في سوق مضطرب إلى عنوان متفاوت الأسعار متباعد المواعيد، تُحيط به هالة تسويق تُربك المريض أكثر مما تُطمئنه. وتتكشف حقيقة قاسية حين تُقاس الصحة بالقدرة وليس بالحاجة يختل الميزان. وحين تتحول الأدوية والمستلزمات والخدمات إلى سلع تتفاوت كالأضاحي والسيارات يصبح المرض عبئًا اقتصاديًا قبل أن يكون حالة إنسانية.
والطبقة الوسطى التي كانت توازن الكفة تتآكل تاركة فراغًا بين عجز كامل ورفاه مكتمل. لم يكن الأمر كذلك دائمًا. لم تكن الأضحية عبئًا ولا الدواء عائقًا. ولم تكن الأسرة تُجبر على بيع ما تملك لتأمين علاج ولا كانت الأم تفك حليّها لتشتري جرعة لأحد أبنائها مصاب بالسرطان ولا الأب يقايض عمره بمصحة أو سفر أو انتظار. كان الوصول ممكنًا وكانت التكلفة صفرية لأن الصحة حق والعلاج مكفولًا بالقانون والأخلاق، وكانت الثقة قائمة.
والأضاحي في المتناول، وفي المقابل هناك عالم آخر ليس بعيدًا جغرافيًا بقدر ما هو بعيد طبقيًا حيث لا يكون العلاج هاجسًا ولا الدواء معركة ولا الوقت خصمًا. عالم داخل نفس المجتمع، لكنه يعيش بقواعد مختلفة طبقة أثرت في دولةٍ ريعية، فأصبح الوصول إلى العلاج المتقدم والعاجل حقًا مُتاحًا بلا انتظار، ومكفولًا في أرقى المستشفيات العالمية، حيث تُفتح الأبواب سريعًا وتُحسم الإجراءات، ويكون الزمن في صف المريض لا عليه. هناك الدواء الأصلي ليس محل شك إنه حقيقة دائمة، والاستمرارية ليست قلقًا إنما نظامًا. وفي هذا العالم لا تحمل الأضاحي ثقل القلق ولا حسابات العجز إنما تُمارس كما ينبغي أن تكون فعل عطاءٍ خالص يتبرعون بها لا لأنهم مُلزمون ولكن لأن الوفرة تسمح، وربما لأن المعنى الروحي لا يزال يُستدعى في لحظة صفاء.
يوسعون بها على غيرهم، ويمنحونها لمن يحتاج دون أن تكون يومًا معركة اختيار بين لحم ودواء، أو بين شعيرة ونجاة. والمفارقة الأشد قسوة ليست في التفاوت ذاته إنما في الأصل المشترك فهم ليسوا غرباء عن هذا المجتمع فهم خرجوا من رحمه ذاته. درسوا في نفس المدارس ومشوا في نفس الأزقة وعاشوا ذات البدايات قبل أن تتشقق المسارات وتفترق المصائر. من نفس الحي خرج من يواجه المرض وحيدًا في دهاليز الانتظار ومنه خرج من يعبر إلى العلاج عبر بوابات العالم المفتوحة.
وهنا لا يكون السؤال عن الغنى والفقر فحسب إنما عن العدالة حين تنكسر داخل البيت الواحد، وعن معنى الانتماء حين لا يحمي أفراده بالتساوي. كأن المجتمع أصبح صورتين متجاورتين إحداهما تُصارع لتؤمن جرعة دواء أو أضحية، والأخرى تجاوزت السؤال أصلًا. وبين الصورتين تقف القيم في امتحانها الأصعب هل تبقى الرحمة رابطًا يعيد التوازن أم تُترك الفجوة حتى تصبح قدرًا؟ هنا تتجلى المفارقة في أقسى صورها بين معنى الأضحية كرمز للعدل والرحمة، وواقع يُعيد إنتاج اللامساواة في أبسط حقوق الإنسان الصحة والحياة. وكأننا نُحيي الشعيرة ونُغيب روحها. إن العلة ليست في الشعيرة، ولا في السوق وحده إنما في اختلال المعنى حين يغيب الضبط وتضعف الرقابة، وتُترك القيم دون حماية.
حينها لا يعود السؤال كم نملك لنشتري؟ إنما كم نخسر لنعيش؟ ولعل الخلاص يبدأ من استعادة البوصلة أن تعود الصحة حقًا وليس سلعة، وأن تُدار الموارد بعدل وأن يُحمى الدواء من العبث وأن يُصان المريض من الإهمال وأن تُستعاد الثقة بين الناس ونظمهم. عندها فقط تستعيد الأضحية معناها الأول، أن نُقدم الأفضل لا لأننا نملك بل لأن غيرنا يحتاج وأن تكون الرحمة نظامًا وليس استثناء.
