مقالات الرأي

اللاهوت وإشكالية التطهير: في التطهير 11


بقلم / مهدي امبيرش
لقد كانت كل مداخلاتنا السابقة لنوضحَ أن أزمة الإنسان منذ البداية هي أزمة معرفية، ونقصد بها أن الإنسان يجهل حدود نفسه، ولهذا كان السؤال الذي طرحناه: ما الإنسان؟ سيبقى سؤالًامفتوحًا، حتى إن عرضنا الأطوار التي مرَّ بها الإنسان منذ خلقه من تراب خاضعًا لقانون الطبيعة (الفيزوقراطية) إلى الطور الثاني وهو طور الحياة من الماء، وفيه يخضع الإنسان بكل قوانين المخلوقات الحية بدءًا من النباتات إلى وصوله الطور الأخير في التقدم من البشري إلى الإنسان بعد أن نفخ الله فيه من روحه، وبمقدار هذا التكريم، وهذه النفخة الإلهية كان الشقاء الذي حذر الله منه آدم إذا استمع إلى غواية إبليس وتكون العاقبة أن يهبطا من الجنة ويكون الشقاء مصير آدم عليه السلام حيث القرآن يعلمنا أن النذير كان موجهًا إليه، فعلى الرغم من أن كليهما سيخرجان، ولكن آدم هو الذي سيواجه الشقاء.
إن الروح التي هي سبب كل مراحل التفكير إلى الإبداع هو مبعث هذا الشقاء وهو الذي به صار آدم واعيًا بمحدوديته فصار يبحث عن تجاوز هذه المحدودية بامتلاك المطلق: (الخلد والملك الذي لا يبلى)، ومن هنا بدأت الأزمة التي قلنا إنها أزمة آدم عليه السلام وبنيه، كما ذكرنا أن آدم نسي أنه مستخلف في الأرض، وأن الجنة التي هي على الأرض كذلك كانت مؤقتةً، إذ أُمر أن يسكن هو وزوجه الجنة، أي صعدا من الأرض المتطامنة إلى الجنة التي في ربوة عالية وهي على الأرض، كذلك حتى إن كانت جنت عليه وعلى بنيه، وضمن الذي سبق أن تناولناه في أكثر من مداخلة حول (الثيولوجيا) و(الثيوصوفيا) من أنها كانت نتاج تصور خاطئ ومحدودية معرفة في توهم أن الكون ثنائية سماء وأرض، وأن السماء هي موطن الإله أو الإلهة، وأن الأرض هي الأدنى، وبين السماء والأرض كان الفراغ الذي لابد أن يتم ملؤه، وهذه واحدة من أطروحات المدرسة الألمانية التي تعرف (القشطالط أو القشتالت) أي مدرسة الشكل التام، وأن الإنسان بطبعه يسعى إلى إكمال النقص حتى إن الثالوث بالمفهوم القديم الذي فرض تحوت في المصرية وهرمس في اليونانية لم يكن فقط لترسيخ الفصل بين الضدين السماء والأرض والمقدس والمدنس والنفس والمادة، بل للتخفيف من حدة القلق الذي يسميه الوجوديون القلق الوجودي، والذي كان واضحًا عند آدم منذ البداية.
إن هذا التصور الثنائي والبحث عن الوسيط كان ولا يزال يؤكد هذه الأزمة بين من يوصفون بالمثاليين ومن يسمون بالوضعيين أو البحث عن اللغة المشتركة أو بالفينيقية القديمة، اللغوس، دعونا نقدم صورًا ثلاثًا الصورة الأولى في المدرسة السومرية حيث يقول عالم (الأنثروبولوجيا) مرسية ألياد (من سومر يبدأ التاريخ)، والمدرسة الثانية هي المدرسة الطبيعية التي ظهرت في آسيا الصغرى التي كانت مستعمرة إغريقية، والمدرسة الثالثة هي المدرسة الشامانية الصوفية، نجد في السومرية، وهي حضارة نشأت مستقرة على النهر،أن الأسطورة قد قالت إن آنكي هو الذي علم الناس هناك الزراعة واستخدام الأدوات الزراعية، وربما لو ذهبنا نعطي بعدًا تفسيريًّا لاسمه الذي يقول دارسو الأساطير والخرافات إنه كان إلهًا، مع التنبيه أن نستبعد فكرة الإله بالمنظور الديني، فالألوهية هنا تكشف عن عبادة الأبطال المتميزين، فالناس هم من يؤلهون البطل، ومن يقرأ الأسطورة السومرية والبابلية فسيكتشف أنها كلها تدور حول مواجهة الموت والدفاع عن الحياة، سواءً فكرة الدورات الزمنية والعود كما عند توموزي، أو البحث عن نبتة الحياة كما غامر قلقامش من أجل الحصول عليها من الإنسان الوحيد الذي نجا من الطوفان، والذي كان يمتلك نبتة الحياة، ويمكن أن تقترب هذه النبتة بشجرة الخلد في قصة آدم، أو هذه الدراسات والدعايات التي ترسخ فكرة الطبيعة، وأن علاجات لأمراض خطيرة تمت من خلال نبتةٍ أو ثمرةٍ أو شربٍ من ماء مقدس، وكان هدف قلقامش أن يحصل على هذه النبتة لإعادة الحياة لصديقه “انكيدو” البشري المحض خلاف قلقامش نصف الإله.
إن إله الفلاحين والمزارعين لابد أن يكون على الأرض أو يكون مباطنًا في هذا الذي يبدو أمامنا والذي أنكره أفلاطون بحجة أن الكمال مفارق في السماء، فلا مشكلة عند السومريين في البحث عن الإله ما دام الإله معهم حتى ضخموه وهو يعيش معهم ويساعدهم عندما يحتاجون إليه.
قد تكون هذه الفكرة تكشف عن عبادة مظاهر الطبيعة التي سنجدها بعد ذلك في مصطلح الطبيعة الطابعة التي تقول إن الإنسان نفسه جزءٌ من الطبيعة، أي إنه خاضع لقوانينها وسلطتها، هذه الفكرة ظهرت في البداية عند الطبيعيين الإغريق، سواءً عند مفكريهم الأوائل من أمثال طاليس وانكسيماندرس وانكسيمانس حتى الهيروقليطس حتى انباذ قليس، وهنا يمكن أن نصفها بالواحدية، أي أن الموجد عنصر واحد، كالماء عند طاليس أو الهواء عند انكسيمانس أو النار عند هيروقليطس، هذه الواحدية (monism) لا تلبث أن تتحول إلى كثرة، وهي التي قال بها لوقيبوس وديموقريطس، في حوالي القرن الخامس قبل الميلاد، حيث كانت أطروحتهما تقول إن الكون هو محض الذرات، إلا أن هذه الذرات لا تختلف من حيث (الجوهر)، ولكنها قد تختلف في الشكل والحجم، وبداهةً أن تأتي أطروحة خيروقليطس في الحركة والتغير، فهذه الذرات حتى إن بدت مستقلة فإنها تتحرك وهي الفكرة التي قرأناها بعد ذلك عند الطبيعيين في القول بالإحيائية (animism) فهذه الذرات تتحرك لوجود طاقة داخلها أو طاقة كامنة داخلها سوف تضع هذه الفكرة الفرق بين المذهب المثالي أو المحرك الخارجي أو المحرك المباطن، حيث نجد أرسطو المنطقي يخترع فكرة المحرك الذي لا يتحرك، وأن الكون نشأ من خلال الصدور عن الأول هبوطًا فالثاني صدر عن الأول والثالث عن الثاني إلى غاية الناوس العاشر، كما نقرأ من خلاله أن هذا الهبوط ابتعاد عن المطلق، فالعقل العاشر وهو القمر أبعد مايكون عن الذي يحلو للبعض أن يقول عنه العقل الأول.
هذه الفكرة لم تخرج عند أرسطو عن فكرة أن الهبوط نقص لا كما يقول أفلاطون وأستاذه بالصعود أعلى لإسترداد الكمال أو الطهارة فأرسطو يقع الآن بين طبيعية مادية متطرفة كما عند الطبيعيين ومثالية المتطرفة متجردة من المادة وساكنة ربما تكشف المدرسة الأيونية عن منح التفكير الطبيعي كما تكشف المدرسة الايلية عن مثالية مجردة من المادة والحركة.
هذه المداخلة ستكشف لنا حتى هذه اللحظة أن الإنسان لا يزال يعيش هذه الأزمة ويفكر بنفس الطريقة حتى ليمكن القول مُجرات لمقولة الإيطالي بنديتوكروتشه، وأن كل التاريخ تاريخ معاصر لنقول كذلك إن كل الفكر فكر معاصر.

زر الذهاب إلى الأعلى