مقالات الرأي

القضاء بين تطبيق القانون وتحقيق العدالة


بقلم/ عبدالمجيد قاسم
السؤال الذي يفرض نفسه كلَّما صدر حكم على خلاف ما يرجوه البعض هو: هل وظيفة القضاء تحقيق العدالة أم تطبيق القانون؟
السؤال هنا جدلي، لأن العلاقة بين العدالة والقانون جدلية بطبعها، وينبني عليها سؤال آخر هو: هل تطبيق القانون هو عين العدالة، أم أن العدالة شيء وتطبيق القانون شيء آخر؟
إن ما يجب التسليم به هو أن القضاء في الدولة الحديثة مقيد بنصوص القانون، فلا ينبغي للقاضي أن يحكم بعلمه الشخصي، ولا ينبغي أن يكوِّن قناعةً مسبقةً في الدعوى طالما لم يتم قفل باب المرافعة، ولو تكونت لديه قناعة فلا يجوز له الإفصاح عنها إلا عند النطق بالحكم.
والتقيد بنصوص القانون هو تطبيق للعدالة من الجانب الأكثر موثوقية، ألا وهو المساواة، فوجود نظام قانوني يحدد الجرائم، ويحدد إجراءات المحاكمة، ويحدد العقوبات، ويطبق على الجميع دون تمييز، هو الأكثر موثوقية لتحقيق العدالة من ترك الأمر للتقدير الشخصي.
والأمر في الجنايات أكثر حساسية، لأنه يترتب على الحكم فيها إنزال عقوبات سالبة للحرية، أو بدنية قد تصل إلى الإعدام، لذا فالقواعد التي يعيها كل رجال القانون هي أن الشك يفسر لمصلحة المتهم، والقانون الواجب التطبيق هو القانون الأصلح للمتهم.
وفي الحديث: “فإن الإمام أن يخطئ في العفو خيرٌ من أن يخطئ في العقوبة”.
كما أن الإجراءات المنصوص عليها في قانون الإجراءات الجنائية هي من النظام العام، ويترتب على الإخلال بها من سلطات القبض أو التحقيق البطلان، فلا تملك المحكمة نتيجة هذا البطلان سوى تبرئة المتهم.
بل إن الشك إذا تسلل إلى عقيدة المحكمة في قضايا الجنايات فلا تملك المحكمة سوى الحكم بالبراءة.
والقاضي حتى في قضايا الرأي العام، يجب عليه ألا يلقي السمع سوى إلى ما يعرض أمامه من أدلة، وإلا شاب حكمه عيب الفساد في الاستدلال.
والأمر يدق في القضايا المتعلقة بالأحداث الكبرى، لأن المراكز تتبدل، فمن كان مدانًا بنصوص القانون في مرحلة ما، يصبح ضحية في مرحلة أخرى والعكس، لذا فتكييف القضايا من قبل سلطة التحقيق يحتاج من المحكمة إلى نظرة أكثر شمولية وأكثر مهنية.
لذا فالقضايا التي تتعلق بمثل هذه الأحداث غالبًا تناط بما يسمى العدالة الانتقالية، حيث يكون جبر الضرر مقدمًا على تطبيق العقوبة.
وقد يتساءل البعض عن طول فترة المحاكمة، أو بطء العدالة، والأمر هنا يجب أن يفهم في إطار التنظيم القانوني لإجراءات المحاكمة، والفصل بين سلطة القبض، وسلطة التحقيق، وسلطة الفصل في الدعوى.
فالقضاء لا يملك سوى الفصل في القضايا التي استوفت إجراءات التحقيق، واستوفت إجراءات إعلان المتهمين، وجلبهم أمام المحكمة، وحضور الشهود، وإرفاق الأدلة والقرائن بملف الدعوى، وهذه كلها تختص بها سلطات أخرى غير المحكمة، وكلما وجد نقص في هذه الإجراءات التي ليست من سلطة المحكمة، فليس أمامها سوى التأجيل، ثم التأجيل، وهو ما يفسر طول أمد المحاكمة.
وهذه الشكليات هي ما يضمن محاكمة عادلة بمفهوم العدالة القانوني، غير المتروك للتقدير الشخصي، والمطبق على الجميع دون تمييز.
أخيرًا.. فإن عمل القضاء ليس محلًا للتبرير، ولا تعقيب عليه سوى بالطريق الذي رسمه القانون، وهذا من البديهيات، والعدالة ليست في الحكم بما طلبه الخصوم، بل في الحكم بما أثبته الخصوم بطرق الإثبات المعتبرة، وخلاف ذلك هو حكم بالهوى والتشهي.

زر الذهاب إلى الأعلى