مقالات الرأي

وَهْم الْأَمَل.. أخطر ما نعيشه دون أن ندرك!!


بقلم/ ناصر سعيد
ليست كل الأفكار المريحة نافعة بالضرورة، فبعضها يمنح الإنسان شعورًا مؤقتًا بالطمأنينة، بينما يدفعه تدريجيًّا إلى العجز والتأجيل.. ومن أكثر هذه الأفكار التباسًا: الأمل، حين يتحوَّل من دافع للعمل إلى وسيلة للهروب من الواقع.
الأمل في جوهره ليس مشكلة، بل قد يكون عنصرًا ضروريًّا للاستمرار. لكنه يصبح خطرًا عندما ينفصل عن الفعل، ويتحوَّل إلى انتظار دائم لتغيُّرٍ لن يحدث من تلقاء نفسه.
عندها يبدأ الإنسان بتأجيل قراراته، وتبرير صمته، والبقاء في ظروف مؤذية، فقط لأنه يعتقد أن الأمور ستتحسن يومًا ما دون أي تغيير حقيقي.
معظم الناس لا يتألمون بسبب الواقع وحده، بل بسبب الصورة التي رسموها له في أذهانهم.. الفجوة بين ما هو موجود، وما نتمنى وجوده، هي غالبًا مصدر الخيبة.
هناك فرق جوهري بين أملٍ يدفع الإنسان إلى الحركة، وأملٍ يجعله يركن إلى الانتظار، الأول مرتبط بالإرادة والعمل والمسؤولية، أما الثاني فغالبًا ما يكون شكلًا ناعمًا من أشكال الهروب من المواجه، حين ترتفع التوقعات بلا أساس واقعي، تصبح الخيبة نتيجة طبيعيةفي العلاقات، يراهن البعض سنوات طويلة على تغيُّر شخص لا يملك رغبة حقيقية في التغيير. وفي العمل، ينتظر آخرون التقدير أو الفرص دون تطوير أدواتهم أو تغيير واقعهم..وفي الحياة عمومًا، يعيش كثيرون على احتمالات مؤجلة أكثر من عيشهم للحاضر نفسه.
المشكلةالأكبر أن الوهم لا يمنح الراحة فقط، بل يؤخر التقبُّل أيضًا، فالإنسان يحتاج أحيانًا إلى الاعتراف بالنهاية حتى يبدأ بالتعافي، ولهذا يبقى المعلَّق بين الأمل والإنكار عالقًا في دائرة نفسية لا تنتهي.
ويظهر ذلك بوضوح في المجتمعات التي تعيش الصراعات والحروب، حيث تتحول بعض الآمال إلى حالة جماعية من التعليق النفسي، ففي عدد من البلدان التي شهدت انهيارات وحروبًا، انتشرت لسنوات روايات عن قادة أو شخصيات “ما زالوا أحياء” وسيعودون لتغيير الواقع، رغم غياب أي دليل حقيقي.
هذه السرديات لا تنشأ دائمًا من حقائق، بل من حاجة نفسية للهروب من الاعتراف بالخسارة أو مواجهة الواقع كما هو.
الأمر نفسه يتكرر سياسيًّا وفكريًّا؛ فالكثير من الأيديولوجيات والأفكار النازية والشيوعية والوحدة العربية هذه آمال بالية رفعت وعودًا مثالية عن الخلاص والعدالة والمستقبل الكامل، لكن تحول بعضها في التجربة العملية إلى أنظمة مغلقة وصراعات دامية عندما أصبح الإيمان بها أعمى وغير قابل للنقد أوالتطبيق، المشكلة ليست في الفكرة أو الحلم، بل في تحويله إلى يقين مطلق يتجاوز الواقع والعقل.
النضج الحقيقي يبدأ عندما يرى الإنسان الأشياء كما هي، لا كما يتمنى أن تكون.
والواقعية لا تعني التشاؤم، بل تعني الوضوح أن تبني قراراتك على المعطيات، لا على الأمنيات، وأن تفصل بين ما تستطيع تغييره وما لا تملك عليه سلطة.
الحياة لا تتغير بالرغبة وحدها، ولا بالانتظار الطويل، بل بالفعل والفهم والتعامل الصادق مع الحقيقة.
لذلك فالمشكلة ليست في أن يأمل الإنسان، بل في أن يجعل الأمل بديلًا عن الرؤية الواضحة والعمل الحقيقي.
الحقيقة قد تكون قاسية، لكنها أقل ضررًا من وهمٍ مريح يؤجل الانهيار فقط.
ولهذا فإن مواجهة الواقع، مهما كانت مؤلمة، تبقى الخطوة الأولى نحو حياة أكثر وعيًا وصدقًا.

زر الذهاب إلى الأعلى