مقالات الرأي

يمشي بين القبور ويصفر


بقلم/ محمد بوخروبة
في وطن أرهقه الانتظار لم يعد المواطن الليبي يسأل عن الرفاهية أو الترف الاقتصادي، بل بات يبحث عن الحد الأدنى من الطمأنينة عن رغيف لا تلتهمه الأسعار قبل أن يصل إلى المائدة، وعن دينار لا يفقد قيمته كل صباح، وعن دولة لا تدار بعقلية الغنيمة وتقاسم النفوذ، لقد أصبح الاقتصاد الليبي بكل ما يملكه من ثروات هائلة وإمكانات استثنائية، كجسد منهك يمشي بين القبور ويصفِر، يضحك أحيانًا من فرط الألم ويخفي جراحه تحت ضجيج البيانات الرسمية والشعارات الفضفاضة.
إن الأزمة الاقتصادية في ليبيا لم تعد مجرد أرقام تسجل في تقارير المصارف أو نشرات المؤسسات المالية، بل تحولت إلى واقع يومي يطحن المواطن البسيط بلا رحمة، التضخم يلتهم الرواتب كما تلتهم النار هشيم الحقول اليابسة، والأسعار ترتفع بوتيرة تكاد تشبه سباقًا جنونيًّا بلا خط نهاية، لم يعد الدينار الليبي قادرًا على حماية جيوب الناس بعدما أنهك بفعل الانقسام السياسي وازدواجية المؤسسات والإنفاق العبثي الذي استنزف مقدرات الدولة دون أن ينعكس على حياة المواطن أو بنيتها التحتية أو خدماتها الأساسية.
لقد تحولت الأسواق الليبية إلى ساحات قلق يومي، فالتاجر يرفع سعره خوفًا من الغد، والمواطن يشتري حاجته مذعورًا من ارتفاع جديد، بينما تقف الدولة في كثير من الأحيان متفرجة أو عاجزة أو غارقة في صراعات الأجسام المتنازعة التي جعلت الوطن رهينة الحسابات الضيقة والمصالح المتشابكة، وحين تتآكل الثقة بين المواطن ومؤسساته يصبح الاقتصاد مجرد هيكل هش قابل للانهيار مع أول عاصفة.
إن الفساد في ليبيا لم يعد حالة استثنائية أو ملفات معزولة، بل أصبح في نظر كثيرين منظومة متجذرة تسللت إلى مفاصل الدولة وأروقة المؤسسات، هناك من حول المال العام إلى إرث شخصي، ومن جعل الوظيفة العامة بابًا للنفوذ لا وسيلة لخدمة الناس، ومن استثمر في الفوضى لأنها الضامن الأكبر لاستمرار مصالحه.
ولعل أخطر ما في الفساد أنه لا يسرق الأموال فقط، بل يسرق الأمل أيضًا، حين يرى المواطن أن الكفاءة تهمش وأن الوصول إلى الحقوق يحتاج إلى واسطة أو نفوذ تتآكل روح الانتماء تدريجيًّا ويصبح الوطن فكرة مؤجلة في وجدان أبنائه، الفساد لا يهدم الاقتصاد وحده، بل يهدم الأخلاق العامة ويزرع الإحباط ويحول الدولة إلى ساحة تنازع لا إلى بيت جامع.
ورغم هذا المشهد المثقل بالاضطراب فإن ليبيا لا تزال تمتلك فرصة حقيقية للنهوض إذا ما توفرت الإرادة الصادقة والرؤية الواضحة، وقد برزت في الآونة الأخيرة مؤشرات وتصريحات تعكس توجه القيادة العامة نحو مواجهة الفساد ومحاسبة المتورطين في العبث بمقدرات الدولة، وهو أمر يراه كثير من الليبيين ضرورة مصيرية لا مجرد خيار سياسي، فالدولة التي لا تحارب الفساد بصرامة تتحول تدريجيًّا إلى أرض رخوة تتآكل من الداخل مهما امتلكت من ثروات أو قوة.
إن محاربة الفساد لا تكون بالخطب وحدها ولا بالبيانات التي تستهلك إعلاميًّا ثم تختفي آثارها، بل تحتاج إلى منظومة عدالة قوية ورقابة حقيقية ومؤسسات قادرة على العمل باستقلالية بعيدًا عن المحاصصة والمجاملات، تحتاج إلى إعادة الاعتبار لفكرة الدولة نفسها، الدولة التي يكون فيها القانون فوق الجميع والمال العام خطًا أحمر والمساءلة قاعدة لا استثناء. ولعل المواطن الليبي اليوم لا يطلب المستحيل، بل يريد أن يرى أثرًا ملموسًا على الأرض خدمات تتحسن وأسعارًا تستقر ومفسدين يحاسبون علنًا دون انتقائية، يريد أن يشعر أن هناك من يحرس قوت أبنائه لا من يتاجر بمعاناته، فالشعوب قد تصبر على الفقر حين يكون عادلًا، لكنها لا تصبر طويلًا على الفساد حين يصبح مستفزًّا وعاريًا أمام الجميع.
إن الاقتصاد الليبي قادر على التعافي، فليبيا ليست دولة فقيرة، بل دولة أُفقرت بسوء الإدارة والصراع والانقسام، النفط الذي يتدفق من باطن الأرض كان يمكن أن يصنع نهضة تضاهي كبرى الدول، لو أحسن استثماره بعيدًا عن العبث والنهب والتجاذبات السياسية، لكن الثروة حين تقع في بيئة مضطربة بلا رقابة حقيقية تتحول أحيانًا من نعمة إلى لعنة ومن فرصة للبناء إلى وقود للصراع. وفي ظل هذه الظروف تبدو الحاجة ملحة إلى مشروع وطني جامع يعيد بناء الاقتصاد على أسس سليمة، بعيدًا عن الاقتصاد الريعي الذي جعل الدولة أسيرة النفط وتقلباته، لا بد من تنويع مصادر الدخل وتشجيع القطاع الخاص الحقيقي ودعم الزراعة والصناعة وخلق بيئة استثمارية مستقرة تعيد الثقة للمستثمر المحلي والأجنبي، كما أن إصلاح المنظومة المصرفية بات ضرورة لا تحتمل التأجيل وأن الاقتصاد لا يمكن أن يتنفس برئة مالية مختنقة.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الأمم ليس الفقر وحده، بل الاعتياد على الفوضى، حين تصبح الأزمات جزءًا من الحياة اليومية يفقد الناس حساسيتهم تجاه الانهيار ويصبح الخراب أمرًا عاديًّا، وهنا تكمن المأساة الحقيقية، ليبيا اليوم تقف عند مفترق طرق، إما أن تنتصر الدولة على الفساد والفوضى أو يستمر النزيف حتى تستهلك كل الفرص. ومع ذلك يبقى الأمل قائمًا ما دام في هذا الوطن رجال يؤمنون بأن ليبيا تستحق أفضل من هذا الواقع، ولعل قوة الإعمار المنتشرة الآن في شرق ليبيا وجنوبها خير دليل على ذلك، وأن بناء الدولة ليس حلمًا مستحيلًا، فالتاريخ يعلمنا أن الأمم لا تموت بسبب قلة الموارد، بل بسبب غياب العدالة وضعف الإرادة واستشراء الفساد، وإذا كانت القيادة العامة ستفتح معركة حقيقية ضد الفساد، فإن الشعب الليبي سيكون أول الداعمين لها، وأن الناس سئمت الشعارات وتبحث اليوم عن الأفعال.
لقد تعب الليبيون من المشي بين القبور والتصفير فوق الألم، تعبوا من انتظار الفرج في وطن يطفو على بحر من الثروات، لكن الأوطان مهما أثقلتها الجراح يمكن أن تنهض حين تنتصر إرادة الإصلاح على مصالح الخراب، وحين يصبح القانون سيدًا لا تابعًا، وحين يدرك الجميع أن ليبيا ليست غنيمة لأحد، بل وطن يتسع للجميع أو ينهار على الجميع.

زر الذهاب إلى الأعلى