مقالات الرأي

رحلة الإنسان بين الوعي والمعرفة


بقلم / المهدي الفهري
الإنسان هو مهندس التغيير الذي يعيد رسم خرائط الحياة كلما ضاقت به السبل، وهو محور المعرفة ومصدرها والقادر على وضع القواعد والقوانين التي تنظم سلوكه وصِلاته مع غيره، وهو أيضًا الكائن الذي يستطيع أن يحمل في قلبه ذاكرة الماضي بلا ندم، ويتعامل مع حاضره بثقة، وأن يواجه مستقبله دون خوف، ومن خلال ذلك يحدد شكل ومضمون علاقاته مع الآخرين بحرية، ويسعى إلى تحقيق أهدافه ورغباته عبر توظيف العقل والمعرفة لخدمة غاياته ومقاصده، وهو يدرك أنه لا يكاد يكون هناك فرق كبير بين الجهل والغباء، فكلاهما قيد ثقيل ويشكل تحديًا كبيرًا يستوجب مواجهته، وكل منهما يمثل عائقًا صعبًا ينبغي التغلب عليه وتجاوزه، وكلما تحرر الإنسان منهما تحسنت صورته الذهنية واقترب من الوعي وزادت قدرته على الفهم وأصبح أكثر استعدادًا لمواجهة تحديات الحياة بذكاء والتفوق عليها ومعرفة ذاته والتعرف على العالم من حوله.
الحياة مسرح تتبادل فيه الأدوار وهي غنية بالعبر والعظات ومليئة بالنوازل والنوائب التي لا تنتهي، وقد تتلاشى لفترة لكنها سرعان ما تعود في أشكال جديدة وربما بقسوة أشد، ومن هنا فإن تجاهل هذه الحقيقة هو فهم قاصر وإدراك منقوص وغير مكتمل، قد يؤدي إلى الندم بعد فوات الأوان، وليس في هذا دعوة لتجاهل الصعوبات، بل تأكيد على حقائق ينبغي أخذها بعين الاعتبار في رحلة الإنسان بين الوعي والمعرفة، مفادها أن كل تجربة تحمل درسًا مفيدًا، وعلينا أن ننظر إليها بأمل كي نستطيع أن نحّول العقبات إلى فرص للنمو ومفتاح للتطور وبوابة للنجاة، وفي خضم إجماع جازم وحازم وإقرار قطعي بأن الجهل أصل الأزمة، وأن النجاة منه تبدأ مع الوعي وأمام اعتراف بيّن بأن الاهتمام بالباحثين والنخب الثقافية يعجل من رفع مستوى الوعي العام ويعزز من قدرة المجتمع على اتخاذ قرارات سليمة تتبنى فهم الفكرة قبل تطبيقها، فالبحث عن المعرفة يتطلب دعم التعلم كأمن قومي وضمن رؤية إصلاحية شاملة تواكب العصر وتعيد ترتيب الأولويات وفقًا لمتغيرات المرحلة، كما أن عقلنة الخطاب الثقافي والاجتماعي والابتعاد عن العنف اللفظي يعززان من الثقة بين الأفراد والجماعات نحو وعي إنساني أعمق ويسهمان في بناء جسور قوية من التواصل والتفاهم وإمكانية توظيف ذلك في تعزيز التعاون وتحويل الاختلاف إلى وسيلة للحوار وطريق للحل لا مدعاة للقطيعة، فمن لا يتعلم من الماضي فلن يكون قادرًا على التعامل مع المستقبل، وتجارب الحياة تجعل من الإنسان أكثر قدرة على قراءة المراحل والتنبؤ بالقادم والآتي، وتصقل قدرته على استيعابها والتكيف معها كما يجب.

زر الذهاب إلى الأعلى