سقوط القيم في زمن المصالح

بقلم/ المهدي الفهري
عندما يفشل العقلاء في حل الأزمة بين الإنسان والتقنية ويعجز المثقفون عن الوصول إلى قلوب الناس وإقناعهم بالحقيقة وسط ضجيج العالم وصمته تُقدَّم الأمور على غير حقيقتها فتتعاظم الأزمات وتتفاقم التحديات وتبرز الحاجة الملحّة إلى توعية الناس بما يجري حولهم وحثّهم على استنباط حلول تتوافق مع المتغيرات الجديدة ووضع الترتيبات اللازمة لمواجهتها بما يحقق إنسانيتهم.
فالتقدم التقني الكبير الذي حققته البشرية على مختلف الأصعدة أفرز أنانية مفرطة ويشهد خللًا عقليًّا ونفسيًّا تجاوز الحدود الإنسانية وتحوَّل فيه الإنسان من فاعل إلى رقم يمشي على الأرض خاضع لميزان الربح والخسارة، وأصبح عامل هدم بدل أن يكون عنصر بناء، وقد تجرد من قيمه وخصوصياته التي تميّزه عن غيره من المخلوقات، فإقصاء الإنسان عن إنسانيته أزمة ضمير قبل أن تكون أزمة واقع وانحراف بائن عن طبيعته وفطرته التي ولد عليها وعن دوره الحقيقي كمخلوق عاقل أُنيطت به مهمة إعمار الكون والحفاظ على توازنه واستقراره.
وفي ظل هذا الواقع البائس تبدو العواطف والنوايا الحسنة آخر ما يُفكِّر فيه محترفو العمل السياسي، رغم أن هذا المجال يحتاج إلى إثراء الحوار وتوسيع دائرة التفاهم بدل الصدام وإثارة الجدل العقيم الذي لا طائل منه، ولكن عبَّاد السلطة وصنَّاع الأزمات لا يعترفون بالندية، ولا يؤمنون بالمشاركة، بل يصرّون على التفرد والعناد ويمارسون ثقافة الغالب والمغلوب وهم يحملون قلوبًا مغلقة وآذانًا صمّاء ولا يملكون آراءً حقيقية، بل الآراء المضللة هي التي تملكهم، وهذا ما يؤكد لنا دائمًا أن امتلاك العقل ليس هو المهم، بل الأهم هو كيفية استخدامه استخدامًا أمثل من خلال التفاعل الإيجابي مع الآخرين والاندماج الفاعل الذي ينعكس إيجابًا على المجتمع وقيمه وقضاياه، ذلك المجتمع الذي يوفّر بيئة مناسبة ويمنح الفرص للجميع بالتساوي إنما يفعل ذلك ليكون أفراده أدوات لبقائه واستقراره لا عبئًا عليه أو سببًا في انتكاساته وانهياره، فشعور الجميع بالمساواة في الحقوق والكرامة يعزِّز القيم الإنسانية ويُرسِّخ مبادئ العدالة، وينشر المحبة بين الناس، ويصون مصالح الجميع، ويحدّ من الشكوك والظنون، كما يساهم في تجفيف البيئة التي تنمو فيها بذور الكراهية والضغائن، تلك التي لا يمكن تفسيرها تفسيرًا سليمًا إلا في إطار الاضطرابات النفسية وعبادة المادة التي عجز الطب قديمًا وحديثًا عن معالجتها.
