مقالات الرأي

شغب الملاعب وغضب الشارع

بقلم / ناصر سعيد

ما حدث في طرابلس لم يكن شغبًا، ولا يمكن تسويقه كفورة جماهير خرجت عن السيطرة بسبب نتيجة مباراة بين نادي الاتحاد والسويحلي على أرض ملعب ترهونة، من يختزل المشهد في كرة قدم، إما يجهل حقيقة ما يجري في البلاد، أو يتعمد التعمية على جذور الأزمة.
حرق مقر تابع لـ حكومة الدبيبة لم يكن بسبب تسعين دقيقة لعبًا، بل نتيجة سنوات من الإهانة اليومية التي يعيشها المواطن الليبي؛ سنوات من الفساد الذي لم يعد خفيًّا، ومن العبث بثروات بلد يُفترض أنه من الأغنى، بينما يقف أبناؤه في طوابير الذل بحثًا عن أبسط مقومات الحياة.

الغضب الذي انفجر لم تصنعه صافرة حكم، بل صنعته سياسات أرهقت الناس، وواقع مختل تُدار فيه الدولة بمنطق الغنيمة، وتُختطف فيه المؤسسات من قبل شبكات نفوذ تتقاسم السلطة والمال تحت غطاء الشرعية، أما السلاح، فلم يعد خارج الدولة فحسب، بل صار في قلبها، يمارس سطوته في هيئة أجهزة رسمية، تحمي الفساد بدل أن تحاربه، وتقمع المواطن بدل أن تحميه.
وبينما تكشف تقارير الرقابة حجم الكارثة بأرقام صادمة، حيث جرى إهدار ما يقارب تريليون ومليار دينار على مدار خمسة عشر عامًا دون أثر يُذكر على حياة المواطن، ينشغل الفاسدون – في مفارقة تثير السخرية المريرة – بمحاولات حرف الأنظار عن جوهر الأزمة، عبر افتعال معارك جانبية حول تكريم قيادات سابقة أو التشكيك في مسارات إدارية لم تعد أصل المشكلة، إن تعليق الفشل على شماعة الماضي لم يعد يقنع أحدًا، بل يكشف حالة إفلاس سياسي وأخلاقي، حيث يسعى من أفسد الحاضر إلى تزييف الوعي بدل مواجهة الحقيقة: أن الأزمة ليست في من تم تكريمهم، بل في من أداروا البلاد إلى هذا المستوى من الانهيار.

نعم، إحراق الممتلكات العامة عمل مرفوض ومدان، ولا يمكن تبريره تحت أي ظرف، لكن الإدانة وحدها لا تكفي إذا لم تُوجَّه إلى جذور الأزمة، إن الدولة التي تعجز عن حماية كرامة مواطنيها، وتفشل في إدارة مواردها بعدالة، تفتح بنفسها أبواب الغضب على مصراعيها.
السؤال الذي يجب أن يُطرح ليس: لماذا غضب الناس بسبب مباراة؟ بل لماذا أصبح الناس مستعدين للانفجار عند أول شرارة؟
ولماذا تحولت كرة القدم ــ وهي متنفس الشعوب ــ إلى ساحة لتفريغ احتقان سياسي واجتماعي بلغ حد الاختناق؟
قد يكون محقًا من يذهب إلى تصوير ما حدث على أنه مؤامرة، أو عمل مدفوع ضمن صراعات النفوذ بين أطراف المشهد، ربما لا يخلو الأمر من ذلك، لكن حتى لو وُجد من حرّك أو استغل، فإن الوقود كان حاضرًا وجاهزًا: غضب حقيقي، وإحباط عميق، وشعور عام بأن الوطن يُدار خارج إرادة أبنائه.
المشكلة لم تعد في حادثة هنا أو هناك، بل في مسار كامل يُدفع فيه المجتمع نحو اليأس، وتُختبر فيه قدرته على الاحتمال يومًا بعد يوم، وعندما يبلغ الاحتقان مداه، لا تعود الشرارة مهمة بقدر ما يصبح الانفجار حتميًّا.
إن أخطر ما في المشهد ليس حرق مبنى، بل احتراق الثقة بين المواطن والدولة، وعندما تسقط هذه الثقة، لا حاجة إلى بيانات تنديد، بقدر الحاجة إلى مراجعة شجاعة تعترف بأن ما يحدث ليس مستجدًّا، بل نتيجة طبيعية لواقع مختل، واقع إن استمر، فلن يكون ما حدث في طرابلس سوى مقدمة لما هو أشد وأوسع.
فهل تُقرأ الرسالة هذه المرة، أم يُترك الدخان يتصاعد حتى يحجب ما تبقى من وطن؟

زر الذهاب إلى الأعلى