الجريمة السياسية بين مطرقة الواجب وسندان الواقع

بقلم/ عبدالمجيد قاسم
الجريمة أيًّا كانت، يمكن تعريفها بأنها طريقة غير مشروعة لتحقيق نتيجة، فمرتكب الجريمة يسعى إلى الحصول على منفعة لكن بطريقة غير مشروعة، وقد تكون المنفعة في ذاتها غير مشروعة، فإقصاء شخص له أحقية في شيء ما هو منفعة غير مشروعة، والانتقام من شخص بدافع التشفي هو منفعة غير مشروعة، وتملك مال الغير بغير مقابل هو منفعة غير مشروعة.
وقد وجدت الجريمة منذ الجيل الأول من نسل آدم، فقابيل قتل هابيل بدافع الغيرة، سولت له نفسه قتل أخيه فقتله، والقرآن لم يقل: “سول له الشيطان”، بل قال: “فسولت له نفسه”، وهنا يكون العقاب عادلًا، لأنه عقاب للنفس الآثمة، وجزاء على إثم تم ارتكابه بمطلق الاختيار.
والجرائم تصنف بحسب موضوعها، فثمة جرائم اقتصادية، وأخرى مالية، وثالثة ضد السلامة، ورابعة سياسية، وهكذا، وما يهمنا هنا الأخيرة.
فالجريمة السياسية هي تلك التي دافعها سياسي، وقد وجدت منذ القدم، فكتب التاريخ تخبرنا بأن أغلب أباطرة الرومان ماتوا ميتةً غير طبيعية، وأن 60% من أباطرة الدولة البيزنطية ماتوا مقتولين، كما أن ثلاثة من الخلفاء الراشدين تم اغتيالهم، والكثير من خلفاء الدولة العباسية ماتوا قتلًا، وأغلب سلاطين المماليك قتلوا على أيدي منافسيهم.
فإذا التفتنا إلى التاريخ الليبي، فالجريمة السياسية حاضرة أيضًا، فيوسف القرمانلي تولى الحكم وهو في التاسعة والعشرين من عمره بعد أن قتل شقيقه الأكبر حسن، وإبراهيم الشلحي ناظر الخاصة الملكية في عهد إدريس السنوسي تعرض للاغتيال على يد محيي الدين السنوسي الذي حوكم وأعدم بعد ذلك.
وفي العالم، فإن قائمة الاغتيالات السياسية تطول، فالمهاتما غاندي الأب الروحي للهند مات مقتولًا، وجون كيندي الرئيس الأمريكي تم اغتياله في سيارته، وباتريس لومومبا زعيم الكونغو ومهندس استقلالها قتله ضابط بلجيكي ووضع جثته في حمض الكبريتيك لإخفاء معالم الجريمة.
وفي محيطنا العربي توجد عديد الحالات، منها الملك فيصل ملك السعودية، والرئيس المصري أنور السادات، والرئيس الجزائري محمد أبو ضياف، ورئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، فهؤلاء تم اغتيالهم في إطار الجريمة السياسية.
وآخر ما شاهدناه من اغتيالات اغتيال سيف الإسلام معمر القذافي، الذي لا يزال الغموض يلف مقتله، والليبيون، سواء من أنصاره أم من غيرهم في انتظار ما تفصح عنه التحقيقات.
والفرضية التي يمكن وضعها هنا هي أن ثمة قاسمًا مشتركًا بين هذه الجرائم جميعًا قديمًا وحديثًا، وهو الغموض الذي سببه طبيعة الجريمة ذاتها، وطبيعة من يقف وراءها.
فإذا ما أردنا اختبار هذه الفرضية في بعض الأمثلة، فسنجد أن مقتل جون كينيدي، وبرغم القبض على الجناة ظلت ملابساته غامضة، حتى إن نظريات لتفسير الحادث وجهت أصابع الاتهام نحو جهاز المخابرات المركزية الأمريكي CIA، ومقتل لومومبا في الكونغو، تم الاعتراف مؤخرا بملابساته، وأظهرت الوثائق أن ثمة اتجاهًا بالتصفية اتخذ في مكتب الرئيس الأمريكي آيزنهاور، ومقتل الحريري لا يزال لغزًا تتعدد فيه الروايات والفرضيات، وقس على ذلك باقي الحالات.
والسبب في هذا الغموض طبيعة الجريمة السياسية؛ فهي لا تقف عند مرتكبيها، بل تتعداهم إلى شخوص أو جهات قد يكونون غير معروفين لديهم، ومن يقف وراء الجريمة قد لا يكون شخصًا طبيعيًّا، بل قد تكون جهة، أو منظمة، أو دولة، وقد تتعدد الأيادي التي تقف وراء ارتكابها لتشمل دولًا ومنظمات.
خلاصة القول، إن الجرائم التي تصنف على أنها سياسية غالبًا ما تختفي في دهاليز يصعب الولوج إليها، وفيها تتم التضحية بالحقيقة تحت مبررات “الأمن القومي” أو “استقرار البلاد”، وهي الذريعة التي تُبقي ملفات مثل مقتل كينيدي أو الحريري حبيسة الأدراج لعقود.
وهذا الأمر ليس في بلدان العالم الثالث وحسب، بل موجود حتى في أكثر البلدان ديمقراطية واحترامًا للحقوق والحريات، حيث تظل الجريمة السياسية في إطار من الغموض، ولا يُكشف عنها النقاب حتى يتجاوزها الزمن، والأمر يزداد تعقيدًا وحساسية في البلدان التي تنعدم فيها الشفافية، حيث يجد من يسعى إلى كشف ملابسات الجريمة نفسه بين مطرقة الواجب وسندان الواقع!
