تحوًّل أطلسي

بقلم / محمد علوش
في لحظة دولية يختلط فيها صرير المصالح بخرير الشعارات، تبدو القارة الأوروبية وكأنها تقف على عتبة مراجعة عميقة لذاتها، لا بوصفها جغرافيا سياسية فحسب، بل كفكرة تاريخية قامت طويلًا على وهم الاتكاء الدائم على مظلّة عابرة للأطلسي، فمن يريفان، حيث انعقدت قمة المجموعة السياسية الأوروبية، لم يكن صوت رئيس الوزراء الكندي مارك كارني مجرد تعليق عابر، بل بدا أقرب إلى إعلان رمزيّ عن نهاية مرحلة كاملة، حين قال إن كندا وأوروبا «ليستا محكومتين بالخضوع لنظام عالمي وحشي جديد».
لم يأت هذا التصريح في فراغ، بل تزامن مع قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سحب خمسة آلاف جندي أمريكي من ألمانيا، في خطوة أثارت قلقًا مكتومًا في العواصم الأوروبية، بقدر ما حرّكت نقاشًا مؤجلًا حول معنى الأمن وحدود الاعتماد وكلفة الارتهان.
صحيح أن بعض القادة الأوروبيين رأوا في القرار امتدادًا لتهديدات سابقة، بينما أبدى آخرون دهشة من توقيته، إلا أن القاسم المشترك بينهم كان الإقرار بأن القارة باتت مطالبة، أكثر من أي وقت مضى، بإعادة بناء مفهومها للأمن على أسس ذاتية.
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تشكّل النظام الأورو-أطلسي على قاعدة حضور عسكري أمريكي كثيف، تمدّد في قواعد وقلاع عسكرية عبر ألمانيا والمملكة المتحدة وإيطاليا وبولندا، ومع اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022، تعزّز هذا الحضور حتى بلغ نحو أربعة وثمانين ألف جندي، في مؤشر على استمرار الاعتماد الأوروبي على القوة الأمريكية كركيزة للأمن والاستقرار، غير أن هذا الحضور لم يكن أمنيًّا صرفًا، بل كان جزءًا من شبكة أوسع من المصالح، تتداخل فيها السياسة بالتجارة، حيث تحوَّلت القارة إلى أحد أكبر أسواق السلاح الأمريكي، في علاقة يصعب فصلها عن إرث «خطة مارشال» التي لا يزال بعض الساسة في واشنطن ينظرون إليها بوصفها لحظة الإنقاذ المؤسسة لنفوذ مستدام.
غير أن ما يطفو اليوم على السطح يتجاوز مجرد خلافات تكتيكية، فالتوتر بين ضفتي الأطلسي لم يعد محصورًا في اختلاف المواقف من ملفات آنية، كالحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران، أو الرسوم الجمركية، أو حتى التلويح بإعادة النظر في عضوية حلف الناتو، بل بات يشير إلى تحوّل أعمق في الرؤية الاستراتيجية الأمريكية، وقد تجلَّى هذا التحول بوضوح في «استراتيجية الأمن القومي» التي صدرت أواخر عام 2025، حيث أُعيد ترتيب الأولويات الجيوسياسية لصالح نصف الكرة الغربي، على حساب فكرة «الغرب» بوصفها إطارًا جامعًا لأوروبا والولايات المتحدة.
في هذا السياق، لا يمكن قراءة الانزعاج الأمريكي من مواقف بعض الدول الأوروبية — كرفض استخدام قواعدها العسكرية لشنّ هجمات على إيران، أو التردد في الانخراط في ترتيبات أمنية حول مضيق هرمز — إلا بوصفه تعبيرًا عن تصدّع في التفاهمات التقليدية، كما أن التصريحات الأوروبية التي بدت، في بعض الأحيان، ناقدة للأداء الأمريكي في ملفات التفاوض، لم تكن سوى انعكاس لشعور متزايد بأن العلاقة لم تعد متكافئة كما كانت تقدّم.
وفي قلب هذا التحوّل، تبرز القضية الفلسطينية بوصفها مرآة كاشفة لحدود الاستقلال الأوروبي المأمول، فالتباين بين المواقف الأوروبية والأمريكية حيال ما يجري في فلسطين، سواء في ما يتعلق بالعدوان المستمر أو بآفاق الحل السياسي، يكشف أن أوروبا لا تزال تتأرجح بين خطاب سياسي يقترب من مفاهيم العدالة الدولية وحقوق الإنسان، وبين واقع عمليّ يقيّد حركتها ضمن سقوف التحالفات التقليدية، ومن هنا، فإن أي حديث عن استقلال استراتيجي أوروبي يظل ناقصًا ما لم ينعكس في سياسات أكثر توازنًا وإنصافًا تجاه الشعب الفلسطيني، بما يعيد الاعتبار للقانون الدولي ويحرّر الموقف الأوروبي من ازدواجية المعايير.
لكن الأهم من ذلك كلّه أن القرار الأمريكي، في عمقه، قد لا يكون مجرد ورقة ضغط، بل مؤشرًا على ميل استراتيجي نحو تقليص الانخراط في قارة باتت ترى، من منظور براغماتي، كعبء مرتفع الكلفة منخفض العائد، وهو ما يضع أوروبا أمام اختبار تاريخي: إما أن تتحوّل إلى فاعل مستقل يمتلك أدوات قوته، أو أن تبقى أسيرة معادلات لم تعد واشنطن نفسها راغبة في استمرارها.
لا يبدو المشهد مجرد إعادة تموضع عسكري، بل لحظة مفصلية تعيد طرح السؤال القديم بصيغة جديدة: هل تستطيع أوروبا أن تكتب فصلها الخاص في كتاب القوة، أم ستظل تقرأ من هوامش الآخرين؟ هنا تحديدًا تتقاطع السياسة مع القدر، ويصبح الاختيار، لا الجغرافيا، هو ما يرسم خرائط المستقبل.
