مقالات الرأي

وقف استقطاع ضريبة الجهاز وآثاره القانونية


بقلم / غادة الصيد


منذ صدور الحكم القضائي بوقف استقطاع ما يُعرف بـ(ضريبة الجهاد)، عاد الجدل القانوني والمالي إلى الواجهة من جديد، ليس فقط بشأن مشروعية فرض هذه الاستقطاعات خلال السنوات الماضية، وإنما أيضًا حول الآثار القانونية المترتبة على الحكم ذاته، وفي مقدمتها مصير الأموال التي جرى تحصيلها من المواطنين تحت هذا المسمى. فالأحكام القضائية، متى صدرت عن جهاتها المختصة، لا تقف آثارها عند حد إيقاف الإجراء محل النزاع، بل تمتد لتثير تساؤلات أعمق تتعلق بمبدأ المشروعية، وحماية الحقوق المالية للأفراد، ومدى التزام الجهات المعنية برد المبالغ المستقطعة دون سند قانوني قائم. وفي هذا السياق، تبرز إشكالية قانونية جوهرية مفادها: هل يترتب على الحكم بوقف الاستقطاع سقوط الأساس القانوني للاحتفاظ بالأموال المحصلة، أم أن الأمر يحتاج إلى ترتيبات تشريعية أو قضائية لاحقة لتنظيم آلية الاسترداد وضمان الحقوق؟
وعليه، فإن مناقشة الآثار القانونية للحكم بوقف استقطاع ضريبة الجهاد لم تعد مجرد جدل قانوني نظري، بل أصبحت مسألة ترتبط مباشرة بمفهوم سيادة القانون، واحترام حجية الأحكام القضائية، وصون الثقة بين الدولة والمواطن. ويُعد وقف الاستقطاع من المرتبات من أهم الآثار المباشرة للحكم، فهو يُنهي الاقتطاع الإجباري من مرتبات الموظفين والعاملين في القطاع العام، وباعتبار أن أي استقطاع مالي دون سند دستوري يُعد مخالفة للقانون، فقد أكد الحكم مبدأ “لا ضريبة إلا بقانون دستوري سليم”، وهو من المبادئ الأساسية في القانون العام، حيث لا يجوز فرض أعباء مالية على المواطنين إلا وفق نصوص تتفق مع الدستور وتحترم الحقوق والحريات العامة.
وبما أن الأحكام الدستورية تتمتع بحجية مطلقة في مواجهة الجميع، فإن ذلك يعني أن الجهات الإدارية لا تملك مخالفة الحكم أو الاستمرار في تطبيق النص الملغى، وإلا عُدّ ذلك مخالفة قانونية تستوجب المساءلة. كما يثير الحكم مسألة قانونية مهمة تتعلق بحق الموظفين في المطالبة برد الأموال التي استُقطعت منهم سابقًا، ويخضع ذلك لقواعد التقادم والإجراءات الإدارية والقضائية المنظمة لاسترداد الأموال المحصلة دون وجه حق، وقد يتطلب الأمر تنظيمًا تشريعيًّا أو قضائيًّا لاحقًا لتحديد آلية التعويض أو الاسترداد.
كما ألزم الحكم الوزارات والمؤسسات العامة ومراقبي الخدمات المالية بتعديل أنظمتها المحاسبية، وإيقاف أي خصومات مرتبطة بضريبة الجهاد، مع ضرورة مراجعة اللوائح التي كانت تستند إلى القانون الملغى. إن الحكم بوقف استقطاع ضريبة الجهاد لا يمثل مجرد إلغاء لضريبة مالية، بل يُعد سابقة دستورية مهمة تؤكد خضوع الإدارة للقانون، وترسخ مبدأ حماية أموال المواطنين من أي اقتطاعات غير مشروعة، كما يفتح الباب أمام نقاش قانوني أوسع حول مراجعة التشريعات القديمة ومدى توافقها مع الدستور ومبادئ حقوق الإنسان والعدالة الضريبية.

زر الذهاب إلى الأعلى