جغرافيا الرماد

بقلم/ محمد بوخروبة
لم تعد الحرب في العالم العربي حدثًا استثنائيًّا يوقظ أنظمة الإنذار، بل غدت حالة بنيوية مزمنة تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية وتستنزف ما تبقى من طاقة الأمة وقدرتها على الفعل، فمن غزة التي تحولت إلى شاهد دامغ على وحشية العصر إلى السودان الغارق في حرب تنزف في صمت دولي مريب، مرورًا بليبيا واليمن وسوريا ولبنان والعراق، يبدو المشهد العربي وكأنه أرخبيل من الحرائق المفتوحة لا فضاء لدول تسير نحو التنمية والاستقرار.
غير أن السؤال الأخطر لم يعد متعلقًا بإحصاء الخراب أو توثيق الخسائر، بل بفهم الأثر العميق الذي تحدثه الحروب المتزامنة في بنية النظام العربي ذاته، فثمة فرق جوهري بين أمة تخوض حربًا واحدة وتحتفظ بقدرتها على التماسك والتعافي وأمة تتوزع عليها الحرائق من كل صوب، فتتشابك الأزمات وتتداخل الجبهات ويستنزف رأس المال السياسي والاقتصادي والبشري دفعة واحدة.
وفي خضم هذا المشهد القاتم لا يجوز إغفال النماذج العربية التي نجحت ولو نسبيًّا في بناء معادلة للاستقرار وسط الفوضى الإقليمية، فشرق ليبيا رغم ما أحاط بالدولة الليبية من انقسامات وصراعات وتدخلات خارجية، استطاع أن يرسخ قدرًا من الاستقرار الأمني والمؤسسي، وأن يحد من تمدد الفوضى والإرهاب بما أتاح استعادة جانب من انتظام الحياة العامة، وفتح المجال أمام مشاريع إعادة الإعمار والتنمية، وتكمن أهمية هذه التجربة في أنها تؤكد أن الدولة العربية ليست محكومة حتمًا بمنطق الانهيار، وأن الإرادة السياسية حين تقترن بقدرة مؤسساتية وأمنية قادرة على فرض النظام تستطيع أن تنتج واقعًا مختلفًا حتى داخل البيئات المضطربة.
في هذا السياق يمكن رصد ثلاثة تحولات كبرى ترسم ملامح المستقبل العربي تحت وطأة الحروب المتعددة.
أول هذه التحولات هو إعادة ترتيب الأولويات الاستراتيجية قسرًا، فحين تتعدد الجبهات تتبدد القدرة على التركيز وتتحول القوى العربية المحورية إلى أطراف منهكة توزع اهتمامها بين ملفات لا يمكن تجاهل أي منها، وهكذا يتراجع الأثر الاستراتيجي لكل تدخل وتتآكل القدرة على بناء مواقف متماسكة أو أوراق ضغط فعالة، فمصر على سبيل المثال تجد نفسها مطالبة بمتابعة الملف السوداني بحكم الجوار والأمن القومي، بينما تواجه في الوقت نفسه تداعيات حرب غزة والتوترات في البحر الأحمر، والضغوط الاقتصادية والتحولات الإقليمية المتسارعة، والنتيجة أن تعدد الأزمات لا ينتج قوة في الحضور بل استنزافًا تدريجيًّا للقدرة على المبادرة.
أما التحول الثاني فهو ما تحدثه الحروب الممتدة من تصدعات داخل المجتمعات العربية نفسها، فالحرب لا تدمر المدن والبنى التحتية فحسب، بل تعيد تشكيل المجتمعات من الداخل، هنا تبرز موجات النزوح الجماعي التي تعيد رسم الخرائط الديموغرافية، فتفرغ دول المنشأ من كفاءاتها البشرية، بينما تحمل دول الاستقبال أعباء اقتصادية واجتماعية متفاقمة، وإلى جانب ذلك يبرز صعود الفاعلين من دون الدولة الميليشيات والجماعات المسلحة التي تملأ فراغ السلطة في الدول الهشة، فتتحول الأوطان إلى ساحات نفوذ متنازع عليها.
لقد كشفت التجارب الليبية واليمنية، بوضوحٍ بالغ أن بعض الحروب العربية لم تعد تنتهي بانتصار طرف أو هزيمة آخر، بل تتحول إلى فوضى مزمنة تدار أكثر مما تحسم وتخدم حسابات القوى الخارجية أكثر مما تخدم الشعوب المنهكة.
أما التحول الثالث والأشد خطورة فهو تآكل الوزن التفاوضي العربي على المستوى الدولي، فالمنطقة التي تشتعل بالحروب تتحول تدريجيًّا من فاعل سياسي إلى ساحة مفتوحة للتدخلات الخارجية، وكلما اتسعت رقعة النزاعات العربية تقلص هامش القرار العربي المستقل، واتسعت قدرة القوى الإقليمية والدولية على فرض شروط التسوية وإعادة تشكيل المنطقة وفق مصالحها، وهكذا تتحرك إيران وتركيا وإسرائيل إلى جانب القوى الكبرى الغربية وروسيا والصين داخل الفراغات التي تنتجها الحروب العربية وتعمقها.
ومع ذلك فإن القراءة المتأنية لهذا المشهد المأزوم لا ينبغي أن تقود إلى الاستسلام لقدر الانهيار، فلا تزال هناك عناصر قوة كامنة يمكن إذا أحسن توظيفها أن تفتح هامشًا للمناورة واستعادة التوازن.
إلى جانب ذلك لا تزال المنطقة تمتلك أوراق قوة حقيقية.. القدرات الاقتصادية الخليجية والثقل الديموغرافي المصري والموقع الجيوسياسي الحيوي لعدد من الدول العربية، فضلًا عن التحكم في ممرات بحرية واستراتيجية تمثل شرايين أساسية للاقتصاد العالمي، غير أن قيمة هذه العناصر تظل رهينة بوجود إرادة سياسية قادرة على تحويلها من إمكانات كامنة إلى أدوات تأثير فعلي.
ومن هنا فإن استثمار هذه الفرص لا يتحقق بخطابات الوحدة العاطفية أو بيانات التضامن الموسمية، بل عبر قرارات صعبة ومقاربات جديدة، وفي مقدمة ذلك فصل الخلافات العربية البينية عن الملفات التي تستوجب تنسيقًا جماعيًّا، والاعتراف بأن الانتظار لم يعد خيارًا في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة، إضافةً إلى الاستثمار الجاد في مؤسسات عربية فاعلة تتجاوز حدود الخطاب الدبلوماسي إلى آليات تنفيذ حقيقية.
إن الجامعة العربية ومعها الأطر الإقليمية المستحدثة كمنظمة مجلس البحر الأحمر، تستطيع أن تؤدي دورًا مختلفًا إذا توافرت الإرادة السياسية اللازمة، وتم الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء استراتيجيات استباقية طويلة المدى.
إن المستقبل العربي لن يصاغ بصورة إيجابية ما دامت الاستجابة للحروب محكومة بمنطق رد الفعل المؤقت، فالأمم لا تنجو فقط بقدرتها على إطفاء الحرائق، بل بقدرتها على منع اندلاعها، وبناء رؤيتها للغد وسط العاصفة لا بعدها، أما الأمة التي تكتفي بإدارة أزماتها الراهنة من دون أن تؤسس لمستقبلها فقد تجد نفسها في نهاية المطاف بلا مستقبل تدافع عنه.
