مقالات الرأي

حرية الصحافة والتحديات الجديدة

بقلم/ عبد الله ميلاد المقري

يحتفل العالم في الثالث من مايو باليوم العالمي لحرية الصحافة، الذي أقرّته الأمم المتحدة عام 1993، ويهدف إلى التأكيد على أهمية حرية الصحافة وحق الوصول إلى المعلومات، وحماية استقلال الإعلام، وتكريم الصحفيين الذين فقدوا حياتهم أثناء أداء عملهم الصحفي، بحيث يصبح لزامًا على الحكومات القيام بهذا الواجب.
وقد دأبت المنظمات الدولية، وفي مقدمتها اليونسكو، على تخصيص شعار عالمي سنوي يناقش قضية راهنة، من بينها: حرية الصحافة، وعلاقة الصحفي بالحقيقة، وتضييق السلطة على الصحفي، وحقه في الحماية أثناء النزاعات والحروب، فضلًا عن تأثير التكنولوجيا على أداء الصحفي، وصعود الصحافة الإلكترونية والرقمية.
ويبرز شعار هذا العام بعنوان: “الذكاء الاصطناعي وحرية الصحافة: التحديات الجديدة”، في ظل تحولات رقمية متسارعة فرضت واقعًا جديدًا على العمل الإعلامي، وأثارت تساؤلات حول مصداقية المحتوى، ومستقبل الصحافة التقليدية، وحدود استخدام التكنولوجيا في صناعة الخبر.

لقد أصبح الفرد اليوم هو الكاتب والمخرج والمحرر، بل وحتى المتلقي في آنٍ واحد، وهو ما يمثل تحديًا جوهريًّا للصحافة الورقية التي تأثرت إلى حدٍّ بعيد بعوامل التقنية الحديثة، خاصة مع الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي التي غيّرت شكل التلقي والتفاعل مع الأحداث.
إن هذا العالم أصبح أكثر قسوة وغرابة في سلوكياته، واختلطت فيه مفاهيم القيم، ولم يعد بالإمكان التفريق بين الدول التي تدّعي التقدم والحفاظ على المبادئ الإنسانية، وبين تلك التي تنتهكها؛ إذ باتت سياسات وتصرفات بعض الدول الكبرى لا تختلف كثيرًا عن ممارسات دول تُوصَف بتدني السلوك فيما يتعلق بحرية الكلمة وحرية التعبير ودور الصحافة في كشف الحقيقة السياسية.
كما يتجلى تغوُّل السلطة، ودكتاتورية الاتجاه الأحادي، والتخندق وراء أيديولوجيات تقوم على إقصاء الآخر، وتوظيف الدين في قمع الحريات، واستهداف الصحفي والكاتب والإعلامي بذريعة واهية، وهي في جوهرها تسهم في تعميق الفجوة بين الحقيقة ودور الصحفي في كشفها، وهي مهمته الأساسية لتمكين الشعوب من اختراق حجب المعلومات التي تخفيها السلطة، حتى في أبسط مستوياتها.

وفي ظل هذه الهوة السحيقة في طمس الحقيقة وإبعاد الصحافة عن تناول الشأن العام وكشف ممارسات السلطة، تتجلى صور العدوان، مثل شن الحروب، كما هو الحال في قطاع غزة من قبل الجيش الإسرائيلي، حيث قُتل في غزة وحدها عدد كبير من الصحفيين والمراسلين والإعلاميين، في مشهد يرقى إلى جريمة خطيرة، ويعكس نمطًا من الاستهداف الذي يتجاوز كونه عرضيًّا، رغم ادعاءات الطرف المعتدي.

وقد سجَّلت منظمات دولية مقتل ما لا يقل عن 180 صحفيًّا فلسطينيًّا خلال عامي 2024 و2025، وهو ما يمثل تحديًا صارخًا لحرية الكلمة والصحافة الحرة. وبموازاة ذلك، قُتل عشرات الآلاف من المدنيين، غالبيتهم من النساء والأطفال، في سياق عدوان واسع النطاق، وسط صمت دولي وعجز واضح عن توفير الحماية للمدنيين والإعلاميين.

وما يحدث في غزة ليس معزولًا عن العالم، بل يتكرر في ساحات أخرى، حيث تدفع الصحافة والصحفيون الثمن باهظًا في خضم هذه الصراعات والحروب، في وقت أصبحت فيه الحقيقة نفسها هدفًا مباشرًا للحصار والتشويه والتعتيم.

زر الذهاب إلى الأعلى