مقالات الرأي

وفرة الإنفاق وفقدان الأثر الصحي

بقلم/ د. علي المبروك أبوقرين

في ضوء ما كشفته التقارير الرقابية من مفارقة مؤلمة بين حجم الإنفاق العام على القطاع الصحي وضعف مخرجاته، تتأكد الحاجة إلى قراءة أعمق لا تكتفي بوصف الأرقام، بل تتجاوزها إلى مساءلة البنية التي تُنتج هذا التباين بين الموارد والنتائج. فالقضية لم تعد مرتبطة فقط بكفاية التمويل، بل بكيفية توظيفه ضمن رؤية صحية متكاملة تعيد تعريف الغاية من النظام الصحي بوصفه أداة لحماية الإنسان، لا مجرد مرفق لتقديم الخدمات.
إن التوصيات الدولية التي تدعو إلى تخصيص ما بين 10% و15% من الدخل القومي للصحة لا ينبغي فهمها باعتبارها نسبًا حسابية مجردة، بل باعتبارها التزامًا مشروطًا ببناء منظومة متماسكة تقوم على سياسات واضحة، واستراتيجيات قابلة للتنفيذ، وبرامج مترابطة تُحدث أثرًا ملموسًا في حياة الناس. فالصحة الحديثة لم تعد علاجًا للمرض بعد وقوعه، بل أصبحت نظامًا استباقيًا تنبؤيًا وقائيًا يعمل على منع المرض، واكتشافه مبكرًا، وتجفيف أسبابه قبل أن تتحول إلى أعباء إنسانية واقتصادية.
ومن هذا المنطلق، فإن أي إنفاق لا يُترجم إلى تغطية صحية شاملة، ولا يضمن وصول الخدمة إلى كل مواطن دون تمييز، ولا يحميه من الوقوع في الفقر بسبب المرض، يبقى إنفاقًا فاقدًا لمعناه الحقيقي. فالنظام الصحي الفاعل هو الذي يبدأ من الرعاية الصحية الأولية بوصفها حجر الأساس، حيث تتكامل الخدمات الصحية والنفسية والاجتماعية والسلوكية، وتمتد إلى الرعاية المنزلية المستمرة، والصحة المدرسية والمهنية، وتندمج ضمن مفهوم “الصحة الواحدة” الذي يربط صحة الإنسان بصحة الحيوان والبيئة في إطار منظومة متكاملة.
وعلى مستوى الرعاية التخصصية، لا يُقاس التقدم بعدد المستشفيات أو الأجهزة، وإنما بقدرتها الفعلية على تقديم خدمات عالية الجودة، مدعومة بكوادر مؤهلة تأهيلًا رفيعًا، تمتلك الخبرة والمهارة والتخصص الدقيق، وتعمل ضمن بيئة مهنية عادلة من حيث التدريب والتوزيع والحوافز. فالمريض يجب أن يواجه منظومة من الكفاءة تبدأ بالتشخيص الدقيق وتنتهي بالعلاج الآمن الفعّال، وهو ما لا يزال غائبًا، للأسف، في كثير من الأحيان.
ومن أبرز مواطن الخلل التي كشفتها التقارير الرقابية ازدواجية النظام الصحي، حيث يتقاطع القطاع العام مع القطاع الخاص في بيئة غير منضبطة، فتتسرب الموارد وتتضارب المصالح، ويُترك المواطن بين نظام عام لا يلبي احتياجاته وسوق صحي تجاري لا تحكمه دائمًا اعتبارات العدالة.
غير أن ما تكشفه هذه التقارير، على أهميته، لا يمثل سوى جانب من الصورة. أما الجانب الأكثر إيلامًا فيظل خارج نطاق القياس المباشر، ويتمثل في الإنفاق الموازي الذي يتحمله المواطن من دخله ومدخراته الخاصة. فهذا الإنفاق المتنامي بصمت يعكس فجوة حقيقية بين ما يُفترض أن يقدمه النظام الصحي وما يصل فعليًا إلى المريض، حتى بات المواطن يدفع ثلاث مرات: مرة من خلال الموارد العامة التي تخصصها الدولة للصحة، ومرة عبر ما يمكن وصفه بـ”التأمين الصحي الارتزاقي”، ومرة ثالثة من جيبه الخاص بحثًا عن علاج مأمون.
وبهذا المعنى، فإن الحجم الحقيقي للإنفاق الصحي يتجاوز بكثير ما هو معلن، ليشمل استنزافًا مركبًا يمس الدخل القومي والدخل الأسري معًا، ويؤدي إلى إفقار شرائح واسعة من المجتمع وتقويض استقرار الطبقة الوسطى.
ومن هنا تبرز ضرورة أن تضطلع الدولة بدورها الكامل في تنظيم القطاع الصحي، بما يضمن احتكارها المسؤول لتقديم الخدمات الأساسية لمواطنيها ضمن نظام عام قوي، مع إخضاع القطاع الخاص لضوابط صارمة، باعتباره شريكًا مكملًا لا بديلًا عن الدولة. كما أن حماية المواطن تقتضي منعه من تحمل أي عبء مالي مباشر، سواء داخل البلاد أو خارجها، لأن تحميل المريض تكلفة علاجه لا يمثل خللًا اقتصاديًا فحسب، بل إخلالًا بجوهر العدالة الاجتماعية.
وقد أثبتت التجارب أن الإنفاق المباشر من الجيب الخاص لا يؤدي إلا إلى إفقار شرائح واسعة، وتآكل الطبقة الوسطى، وتعميق الفجوات الصحية والاجتماعية.
وفي هذا السياق، يصبح التحول نحو نظام صحي موحد ومتماسك ضرورة لا خيارًا، تُلغى فيه الكيانات الموازية والتشوهات المؤسسية، ويُعاد بناؤه على أسس مهنية خالصة، بحيث لا يتولى إدارته وتشغيله إلا مختصون مؤهلون تأهيلًا عاليًا، كل في مجال اختصاصه. نظام يقوم على الفصل الواضح بين التمويل وتقديم الخدمة، ويربط الإنفاق بالمخرجات الفعلية والمؤشرات الصحية الإيجابية، لا بالمخصصات النظرية.
ولا يمكن تحقيق ذلك دون تبني التحول الرقمي الشامل من خلال سجلات صحية موحدة، وأنظمة متابعة دقيقة، وآليات إحالة ذكية، تضمن الشفافية وتحد من الهدر، وتخضع كل عملية للتدقيق والمراجعة المصاحبة. فالحوكمة الحديثة لا تقوم على الرقابة اللاحقة فقط، بل على منع الخطأ قبل وقوعه.
إن ما تكشفه التقارير الرقابية، على قسوته، يمثل فرصة تاريخية لإعادة التأسيس، وليس مجرد لحظة للنقد. فالأزمة في جوهرها ليست نقصًا في الموارد، بل غياب الانسجام بين الرؤية والتنفيذ، وبين ما يُراد للنظام الصحي أن يكون عليه وما هو عليه فعليًا.
والطريق إلى الإصلاح يبدأ بإعادة الاعتبار للإنسان بوصفه محور النظام، بحيث لا يبقى أي مواطن دون تغطية صحية كاملة، ولا تُترك أي منطقة دون خدمات إسعاف وطوارئ متقدمة ورعاية صحية متكاملة، ولا يُحرم أي مريض من دواء مأمون أو علاج حديث فعّال.

فالصحة ليست بندًا في الميزانية، بل مرآة لعدالة الدولة ومقياسًا لنجاحها في حماية مواطنيها. وحين تُدار على هذا الأساس، يتحول الإنفاق من رقم ثقيل إلى أثر حي، وتتحول المؤسسات من هياكل صامتة إلى منظومة تنبض بالحياة.
إن استعادة الثقة في النظام الصحي لا تتحقق بالوعود، وإنما ببناء نظام لا يضطر فيه المريض إلى القلق، ولا إلى البحث، ولا إلى الدفع، بل يجد فيه حقه كاملًا، ورعاية تليق بإنسانيته، ونظامًا يصون حياته ويحفظ كرامته.

زر الذهاب إلى الأعلى