مقالات الرأي

ليبيا كانت تطعم الغريب.. فأكلها القريب


بقلم/ عبد الله ميلاد المقري


يكتشف العالم، القريب والبعيد، أن هذا الوطن الليبي الذي مرَّت به أعظم الحضارات، وسكنته جماعات شتى، كان له الفضل على من عاش فيه؛ إذ نالوا من خيره، وشربوا من لبنه، وارتووا من مياهه، وأمِنوا على أنفسهم في ربوعه. وقد وصف الرحالة الأوروبيون والعرب ما عُرف به الليبيون من كرم وأمان وحسن استقبال للضيف، فاعتبروا الضيافة جزءًا أصيلًا من أخلاق المجتمع الليبي، الممتدة من الساحل حتى أعماق الصحراء. وأجمع كثير منهم على أن الليبيين جعلوا من الكرم قيمة اجتماعية مرتبطة بالشرف والمكانة والإنسانية، حتى أصبحت مدن مثل غدامس محطات بارزة للقوافل والحجيج والمسافرين من مختلف البلاد.
ومن أعالي البحر إلى عمق الصحراء، ظل القاسم المشترك في كل تلك الروايات هو الأمن والكرم، وهما قيمتان صنعهما الليبيون عبر سنوات طويلة من الصبر والتماسك، رغم ما واجهوه من حروب وأزمات وجوع وخوف واستهداف طال الإنسان والأرض والثروة. ورغم قسوة الظروف، بقي الليبي متمسكًا بأصالته وعاداته، مؤمنًا بأن الوطن أكبر من كل الأزمات، وأن الحفاظ عليه واجب أخلاقي وتاريخي.
لكن الوطن وجد نفسه لاحقًا في مواجهة مؤامرات عبثت بسيادته ووحدته، فاستهدفه العدو البعيد، وساهم القريب في إنهاكه، حتى تحولت بعض الأطراف إلى أدوات تخدم مشاريع خارجية على حساب استقرار البلاد. ومع تصاعد الانقسام السياسي والاقتصادي، أصبحت المصالح الضيقة والنفوذ والمال الفاسد تتحكم في المشهد، بينما يدفع المواطن وحده ثمن هذا الخراب.
ومن ينظر إلى الواقع اليوم يلاحظ حجم التراجع الذي أصاب مؤسسات الدولة والخدمات الأساسية، في ظل صراعات لا تنتهي على السلطة والثروة، بينما تتسع معاناة الناس يومًا بعد آخر. أما المواطن البسيط، فقد أصبح يعيش معركة يومية مع الغلاء وتدهور الخدمات؛ فالدخل لم يعد يكفي لتغطية العلاج أو متطلبات الحياة الأساسية، وأصبحت المستشفيات الخاصة تستنزف مدخراته، في وقت بات فيه العلاج بالخارج حلمًا صعب المنال بسبب تراجع قيمة الدينار الليبي وارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق.
وذلك رغم ارتفاع أسعار النفط، التي يُفترض أن تنعكس على حياة المواطن، لكنها تُدار وفق مصالح أطراف وسيطة، في واحدة من أخطر مظاهر الفساد الاقتصادي.

زر الذهاب إلى الأعلى