مكافحة الفساد تحمي الأمن الوطني، وترسّخ العدالة الاجتماعية

بقلم /د. محمد جبريل
الفساد لا يقتصر على الاستيلاء على المال العام وغسيل الأموال، بل يمتد إلى القصور أو الانحراف في الوظيفة العامة، كالوساطة والتمييز في الحصول على الخدمات والعطاءات والوظائف، أو التأثير في إرادة الموظف العام، أو التهرب من الضرائب والرسوم، أو التنازل عن المواصفات المعتمدة.
ويمتد كذلك إلى استغلال النفوذ، أو تجاوز الحدود، أو الغش، أو التضليل، أو الإغراء، أو الإرهاب، أو التخريب، أو التجهيل، أو الإرجاف، أو تقييد حرية التعبير والتفكير والابتكار والإبداع، كما يمتد إلى التناول الغرضي للمواقف والأحداث؛ كالتضخيم، والتقزيم، والتحريف، والتزييف، والتزوير، والتقوُّل، والتستر.
لقد شكَّل الفساد من الليبيين هرمًا اجتماعيًّا؛ قاعدته طبقة فقيرة مسحوقة، عاجزة عن توفير القوت، ورأسه طبقة أثْرتْ عبر الاستحواذ على الاعتمادات والعطاءات العامة، ونهب الثروات، والارتشاء، والتهريب، والاتجار بالبشر والمخدرات، وأعمال الخطف، بعضهم ينتحل صفة “رجال أعمال”، بينما رجال الأعمال الحقيقيون هم الذين يبنون ثرواتهم من نشاط مشروع، كالصناعة، أو الزراعة، أو الخدمات، أو البحث العلمي، أو براءات الاختراع.
كما دجَّن الفاسدون بعض أدوات إنفاذ القانون، باستمالتها بالإغراء والرشوة، أو إخافتها بالتهديد والترويع.
النهب يخلق الفوارق الاجتماعية ويدمِّر الخدمات العامة. فعدم قدرة الأغلبية على تكلفة التعليم سيؤدي إلى طبقية تعليمية، كما أن غياب الخدمات الصحية يولِّد شعبًا عليلًا، ما يزيد وقود الثورة. التاريخ علمنا أن النهابين لا يهنؤون بما نهبوا، فالجماهير تنتقم من ناهبيها حرقًا وسلبًا وسحلًا.
الأخطر؛ إذا جرت الانتخابات بهذه الظروف، فسيستولي الفاسدون على الأجسام التشريعية؛ لأنهم الأقدر على تمويل الدعاية وشراء الأصوات، وسيسنُّون قوانين تخدم مصالحهم، ويشكِّلون حكومات وأجسامًا سيادية تأتمر بأمرهم، فيتشرعن النهب، وتغيب العدالة الاجتماعية، وتتحوَّل الدولة إلى شرطيٍّ يحمي طبقة النهابين من غضب الشعب الفقير، وهذا يتطلب دسترة الانحياز للفئات الضعيفة؛ كتوفير الحاجات الأساسية، وتقديم الخدمات العامة المجانية بمعايير راقية، وإيجاد فرص عمل للشباب، وصون المال العام وتنميته، وأن تنحاز القوانين الانتخابية لذوي الدخل المحدود، والطبقة الوسطى، والفئات الهشة، عبر تمييز إيجابي يمنحهم أغلبية المقاعد، ويحدُّ من تأثير المال الفاسد.
الانهيار لن يتوقف إلا بأداة ردع وطنية تمتلك القدرة والإرادة لاتخاذ إجراءات حدِّية وجدية لتطبيق التشريعات السارية، كقوانين الجرائم الاقتصادية، والإثراء بلا سبب، و”من أين لك هذا؟”، والشفافية، والتطهير؛ لتجريد النهابين مما نهبوا، واستعادته لأصحابه الحقيقيين، مع إحداث ضغط دولي لاستعادة ما هُرِّب للخارج.
بالأفق نوايا لاتخاذ إجراءات لمكافحة الفساد، فإن أُحسن تصميمها وتنفيذها، ستنشر السلم الاجتماعي، وتمتِّن الحاضنة الاجتماعية، وتُبرز أبطالًا وطنيين سيكسبون قلوب الناس وعقولهم وولاءهم.
