مقالات الرأي

اللاهوت وإشكالية التطهير: في التطهير 9


بقلم / مهدي امبيرش


لنا أن نفهم أن مصطلح المثالية الذي يستخدم في مجال منهج التفكير والأفكار والمعرفة يمكن أن ننسبه إلى أرستوكليس (أفلاطون) الذي قال إن عالم الكمالات هو المُثل المفارقة في السماء، وأنّ النفوس كانت هي الأخرى في السماء، وكانت تتطلع على هذه المُثل أو بالتعبير القرآني كانت تراها عين اليقين، وفي المصطلح الكانطي على سبيل المثال تستخدم على أنها (النومين)، أو حسب تعريف النومين إنه الشيء في ذاته الذي يقول كانط إنه لايمكن إدراكه والذي تأسس عليه بناءً على الثنائية اللاهوتية القديمة المتجددة، وحسب الفينومينولوجيا على أساس أن المصطلح المركب يقف إدراكنا عند الـ(phe) الذي يبدو من النومين (noumenon) أما النومين نفسه بما هو الحقيقة أو الوجود أو العلم أو المطلق فلايمكن لنا إدراكه، وأن المدرك هو الموجود أو المعرفة أو المحدود أو المنطقي، وهنا نقرأ (logos) على أنه ينصرف إلى الجزء الأول من المصطلح أو الذي يتبدَّى من الشيء أو قل المتشيئ الذي يقف في مواجهتنا ( Der Gegen stand) في الألمانية أي الذي يقف في مواجهتنا أو الموجود بالذي هو موجود على أنه بعض الوجود ومن جنسه، وسوف نعرض إلى الفرق بين هيغل وأستاذه هوسرل في تناول الظاهر.
نعود إلى أفلاطون وأستاذه سقراط، فالقول إن الحقيقة أو المطلق مفارق في السماء يجعلنا نفهم رأيهما أن الحقيقةَ قبلية، وهذا سبب رفض سقراط وأفلاطون للطبيعيين المتكلمين الذين يَرَونَ الحقيقة ليست قبلية، ولكن يمكن تعلميها، وقد ذكرنا أن هذا الاختلاف بين الطبيعيين الإغريق الذين عاشوا في آسيا الصغرى والمثاليين الإغريق الذين عاشوا في اليونان قد كانوا المؤسسين لكلِّ الثنائيات المتعلقة بالمعرفة حتى هذه الساعة، أي المثاليين الألمان وتلاميذهم من المثاليين الإنجليز خاصةً من الذين درسوا وعلموا في جامعة أكسفورد في مقابل الذين درسوا في جامعة كامبريدج، أو يمكن أن نمثل لهم ما يعرف بالمثاليين الألمان والوضعيين من الفرنسيين والأنجلوسكسون والعبرانيين والأخيرين الذين ظهروا في حلقة ڤيينا ومدرسة فرانكفورت.
إذا يرى سقراط على لسان أفلاطون خاصةً في محاورة مينون أن أسلوب استعادة الحقيقة لا يتم إلا بالتذكر، ويكون الخلاص بالتحرر من الجسد أو المدرك الذي يعتبره السفسطائيون والماديون الوضعيون بعامة أنه الحقيقة وعلى أنه الفيزيقي المدرك بالحواس والمتحقق منه بالتجربة الذي مقياسه حسب النفعيين من تلاميذ بنتام، أنه ما يحقق المنفعة، أو ما يحقق المنفعة العامة لأكبر قدر من الناس، حسب دعاة الحس العام (commen sens) قد يطرح استفهامًا هامًا عن علاقة الذي تم ذكره باللاهوت وطقس التطهير.
إن الجانب الصوفي إذا فهمنا الصوفية هي الصفاء وعلى أنها في المفهوم العام التخلص من الأدران أو الجسد سوف تفتحنا على مشكلة وإشكالية المعرفة، فإذا كان الحسِّيُون مطلبهم المعرفة والمدرك والمتعين فإن الصوفيين يذهبون إلى الغنوص أو العرفان وأن الكشف لا يتم إلا بإماتة الجسد واقعةً كالذي ذكرنا في موقف سقراط حسب مقولته (الموت مطلب الفلاسفة)، فالموت السقراطي هو الخلاص الذي من خلاله تتحرر النفس من قيود الجسد، وهو نفسه ما قال به أفلاطون من أن المدركات الحسيَّة ليست المثل أو الحقيقة، بل إنها ظلال الحقيقة، وأمثولة الكهف الأفلاطوني مقاربة لهذه الفكرة. فالكهف هو بمثابة الجسد المادي والمظلم، وأن الذين هم داخل الكهف مقيدون بالسلاسل، وظهورهم إلى ضوء الشمس من خلال فتحة صغيرة، وكل الذي يمرُّ من أمام الشمس تنعكس ظلاله على المقيدين داخل الكهف، فلا يرون إلا ظلالًا أو أشباه الذي مَرّ، فإذا حصل أن تخلَّص أحد من القيود وخرج من الكهف فقد يبهره نور الشمس، ولكنه ما يلبث أن يرى الحقيقة.
دعونا نبحث في مصطلح صوفي وهو مصطلح الكشف الذي يستخدم له في الإنجليزية المركبة مع العربية (thes covery) وكأن الحقيقة مدفونة لابد من إزاحة الغطاء عنها، فالكشف الصوفي أو الانكشاف هو ظهور الحقيقة أو المطلق أو الإلهي، ومَهَمَّة الصوفي الموت الحكمي من خلالِ إماتة الغرائز والشهوات كما رأينا في الشامانية الهندية التي كان لها تأثير في الصوفية الإغريقيّة كما ذكرنا في الاورفيا والايليسيا والفيثاغورثية، والأخيرة ترتكز على الأعداد المجردة التي نذكركم بما سبق أن ذكرناه في قصة تحوت وهرمس وأن الآلهة تتكلم رمزًا أو إشارات وأن سقراط تحول إلى صوفي ببحثه عن الموت والتجرد، وأن أفلاطون في جدله الصاعد والهابط يقدم أسلوبًا عمليًّا لمعراج صوفي حتى لا يقال إنه كتب على مدخل الأكاديمية لا يدخلها إلا من له معرفةٌ بالرياضيات، على أساسِ أن الخطوط بعامة الأشكال أو الرموز العددية وحدها القادرة على العودة إلى الصفاء، ومن حيث الأشكال فإن الدائرة حسب فيثاغورث هي أكمل الأشكال، وهذا ما يمكن أن نقرأه في ما يعرف بالحركات الصوفية بحلقة الذكر أو الدائرة وبالحركات التي ترهق الجسد أو تسميته حكمًا فيسهل عملية الجذب، حيث تصعد النفس إلى السماء وتتخلص من الأدران ثم تعود كالجدل الصاعد والهابط الأفلاطوني، بل يقوم الشامانيون وبعض الحركات الصوفية عندنا بالتظاهر بطعن الجسد بالسكاكين أو لعق الحديد المحمَّى أو أكل الزجاج أو المشي على المسامير في رمزيةٍ لاحتقار الجسد وإماتته وصولًا إلى الصفاء أو في اللغة الشامانية النرڤانا، أو بلغة سقراط وأفلاطون اليونانية اليودايومونيا أو الانطفاء الكامل والعدمية (nihilism).

زر الذهاب إلى الأعلى