مقالات الرأي

النفط الليبي تحت سيطرة الفساد


بقلم/ عثمان الدعيكي


تتفاقم أزمة قطاع النفط الليبي عامًا تلو عام، رغم أن ليبيا تمتلك واحدًا من أكبر الاحتياطيات النفطية المؤكدة في العالم، حسب بيانات منظمة “أوبك” وتقارير شركة “بي بي” للطاقة التي أفادت بأن احتياطي النفط الليبي المؤكد يتجاوز 48 مليار برميل، ما يضعها في المرتبة التاسعة عالميًّا والخامسة عربيًّا من حيث حجم الاحتياطي المؤكد. غير أن هذه الثروة الضخمة تحولت خلال السنوات التي أعقبت الأحداث الدامية خلال العام 2011 من مصدر قوة اقتصادية واستقرار إلى بؤرة فساد وصراع نفوذ، أضعفت القطاع وأفقدت الليبيين الاستفادة الحقيقية من ثرواتهم الطبيعية، في وقت أصبحت فيه البلاد تعاني أزمات وقود متكررة وتراجعًا حادًّا في الصناعات البتروكيماوية التي كانت يومًا ما أحد أعمدة الاقتصاد الوطني.
كانت ليبيا تنتج ما يقارب 1.7 مليون برميل يوميًّا، قبل العام 2011، وكانت المؤسسة الوطنية للنفط قد وضعت خططًا تستهدف رفع الإنتاج إلى مليوني برميل يوميًّا، بحد أقصى 2015، بفضل الإمكانات الهائلة للحقول الليبية وانخفاض تكلفة الإنتاج التي تعد من الأقل عالميًّا، إلا أن متوسط الإنتاج خلال السنوات الخمس عشرة الماضية لم يتجاوز في أغلب الفترات 1.2 إلى 1.3 مليون برميل يوميًّا، مع تسجيل انهيارات متكررة في الإنتاج بسبب الإغلاقات والصراعات السياسية وسوء الإدارة وغياب الصيانة الدورية للبنية التحتية النفطية. وتؤكد تقارير صادرة عن الوكالة الدولية للطاقة أن خسائر قطاع النفط في ليبيا قد سجل ما يزيد على ثلاثمائة مليار دولار نتيجة توقف الإنتاج والإغلاقات المتكررة للحقول والموانئ النفطية، بينما تراجعت قدرة المؤسسة الوطنية للنفط على تنفيذ خطط التطوير بسبب الانقسام السياسي والفساد المستشري في مفاصل الدولة.
وتشير تقارير دولية عديدة إلى أن الإدارات المتعاقبة على المؤسسة الوطنية للنفط فشلت في الحفاظ على البنية التحتية للقطاع، إذ لم تُنفذ العَمرات والصيانات الأساسية لحقول الإنتاج وخطوط النقل والمصافي بالشكل المطلوب، ما تسبب في تراجع كفاءة الحقول وارتفاع معدلات الأعطال والتسربات. كما حذرت تقارير فنية صادرة عن شركات خدمات نفطية عالمية من أن استمرار إهمال الصيانة قد يؤدي إلى فقدان دائم لجزء من القدرة الإنتاجية لبعض الحقول القديمة، خصوصًا في حوض سرت الذي يمثل العمود الفقري للإنتاج الليبي.
وفي الوقت الذي امتلكت فيه ليبيا قدرات كبيرة في مجال التكرير والصناعات البتروكيماوية، شهد هذا القطاع انهيارًا شبه كامل خلال السنوات الأخيرة. فقد توقفت أو تراجعت أغلب الصناعات البتروكيماوية التي كانت تنتج مواد تُصدَّر إلى الأسواق العالمية، وأصبحت البلاد تعتمد على الاستيراد لتغطية احتياجاتها المحلية من العديد من المنتجات النفطية والبتروكيماوية. كما تعاني المصافي الليبية، وعلى رأسها مصفاة الزاوية ورأس لانوف، من تهالك كبير وانخفاض القدرة التشغيلية بسبب غياب التطوير والصيانة، ومشاكل قانونية عجزت الحكومات المتعاقبة عن معالجتها ما أدى إلى الاعتماد على استيراد الوقود رغم كونها دولة نفطية كبرى. ووفق بيانات مصرف ليبيا المركزي، يتم إنفاق مليارات الدولارات سنويًّا على استيراد المحروقات لتغطية العجز المحلي، حددت بمبلغ 9 مليارات دولار وفقًا لمشروع قانون الميزانية الموحد هذا العام في مفارقة تعكس حجم الخلل الذي أصاب القطاع.
الفساد داخل قطاع النفط لم يعد مجرد اتهامات محلية، بل أصبح محل تناول واسع في الصحافة العالمية والمؤسسات الرقابية الدولية. فقد نشرت صحيفة “فايننشال تايمز” وتقارير لوكالة “بلومبرغ” ومجلة “إنتليجنس أونلاين” تحقيقات تناولت شبهات الفساد وصفقات الوقود المشبوهة داخل ليبيا، وعمل مافيا النفط العالمية مع عصابات ومليشيات محلية داخل البلاد، كما تناولت أيضًا قضايا تتعلق باستيراد وقود غير مطابق للمواصفات تسبب في أضرار واسعة لمركبات المواطنين ومحطات التوزيع. كما كشفت تقارير ديوان المحاسبة عن تجاوزات مالية بمليارات الدولارات تتعلق بعقود التوريد والوساطة وعمولات الاستيراد، وسط غياب واضح للمحاسبة واستمرار الشخصيات ذاتها في إدارة مفاصل القطاع.
وتتحدث تقارير اقتصادية دولية عن تنامي نفوذ الشركات الأجنبية العاملة في قطاع النفط الليبي على دوائر صنع القرار، وهو ما انعكس على طبيعة الاتفاقيات والعقود المبرمة خلال السنوات الأخيرة. فبعد أن كانت المؤسسة الوطنية للنفط تعتمد قبل عام 2011 على اتفاقيات اقتسام الإنتاج المعروفة باسم الـ”إبسا”، والتي كانت تمنح الدولة الليبية حصة كبيرة وتحافظ على حقوقها السيادية، شهدت السنوات الأخيرة توقيع ترتيبات وامتيازات اعتبرها خبراء أقل إنصافًا للدولة المنتجة وأكثر خدمة لمصالح الشركات الأجنبية. ويرى مختصون أن ضعف الرقابة وانتشار الفساد ساهما في تمرير صفقات تمنح امتيازات إضافية للشركات الدولية مقابل تحقيق مصالح شخصية لمسؤولين نافذين داخل القطاع.
ورغم الإيرادات النفطية الضخمة التي تجاوزت في بعض السنوات 20 مليار دولار، فإن انعكاس هذه العوائد على حياة الليبيين يكاد يكون معدومًا، إذ انهار الدينار الليبي مقابل العملات الأخرى، كما تتواصل أزمات الكهرباء والوقود والسيولة وارتفاع الأسعار وتدهور الخدمات الأساسية. وفي المقابل، تتزايد ثروات ونفوذ الشخصيات المتحكمة في القطاع، في مشهد يراه كثير من الليبيين تجسيدًا صارخًا لتحول النفط من نعمة اقتصادية إلى أداة للفساد والإثراء غير المشروع. وبينما تمتلك ليبيا كل المقومات لتكون من أغنى الدول الأفريقية والعربية، لا يزال قطاعها النفطي رهينة الفساد والصراعات وسوء الإدارة، الأمر الذي يهدد مستقبل أهم مورد اقتصادي تعتمد عليه البلاد، ويضع ثروة الليبيين في مهب المصالح الشخصية والتدخلات الخارجية.

زر الذهاب إلى الأعلى