“جغرافيا التيه” في الإعلام العربي المعاصر

بقلم/ محمد نبيغ
في مختبرات الجيوسياسة الإعلامية، لا يُنظر إلى الشاشات كأدوات نقل، بل كأجهزة “إعادة ضبط” للوجدان القومي. إن ما شهده الفضاء العربي مع مطلع الألفية لم يكن مجرد انفتاح تقني، بل كان عملية “هندسة طرق” فائقة الدقة، شُقت في تضاريس العقل العربي الوعرة لتصل إلى قيعان الوعي. تمامًا كما تُشق الأنفاق العملاقة عبر سلاسل جبال “قراقرم” بين الصين والباكستان لربط المصالح، شق الإعلام العربي مسارات لربط الإنسان بـ “عبودية الرفاهة”. هذه العبودية التي لا تطلب منك القيود، بل تطلب منك “المشاهدة والمتابعة” بينما يتم تفريغ هويتك من محتواها، لتصبح “كائنًا رقميًّا” بلا جذور، يسبح في فضاء من الصور البراقة والوعي الزائف.
ميثولوجيا “الخنجر” حين صار الخبر لغمًا مذهبيًّا. لقد وُلد الإعلام الفضائي العربي وفي فمه “ملعقة من السم”. ففي اللحظة التاريخية التي انتظر فيها المواطن العربي خطابًا يلم شتات الهوية، أطلقت القنوات الكبرى “نشرات التأزيم” الأولى.
هندسة الصدع: لم يكن رصد الصراعات المذهبية في “الباكستان” أو “أفغانستان” مجرد تغطية إخبارية محايدة، بل كان “بذرة” استراتيجية نُثرت في تربة خصبة لتوليد “النعرات” داخل الجسد العربي. لقد استُحضر “شياطين التاريخ” وصُدروا كـ “تجار للمقدس”، مُنحوا منصات لا تشرق عليها الشمس، وأُلبسوا ثوب “المحللين والمفكرين”.
اختراق الفطرة: إن هؤلاء “بيادق الاستعمار الجدد” تغلغلوا في البيوت العربية مستغلين “طيبة الشعب وسليقته”. كان المشاهد العربي يظن أنه ينهل من بئر المعرفة، بينما كان يجرع “سمومًا إخبارية” مُصممة لتمزيق الروابط الاجتماعية. لم تكن القنوات تبحث عن الحقيقة، بل كانت تبحث عن “الشرخ” لتوسعه، وعن “الجرح” لتفتحه، محولةً الإعلام من منارة للتنوير إلى “مختبر للفتن” العابرة للقارات.
سقوط الترويكا الأخلاقية حين دخل القاتل صالوناتنا: بلغت المأساة ذروتها مع سقوط الحواجز النفسية الأخيرة تحت مسمى “الموضوعية الباردة”. إنها المرحلة التي يمكن تسميتها بـ “كي الوعي الجماعي”.
شرعنة القبح: لم يكن ظهور السفاحين، قتلة الأطفال في “قانا” و”غزة”، أمثال بيريز وغيره، مجرد سقطة مهنية، بل كان عملية “هدم للهرم القيمي”. إن استضافة الصهاينة والعنصريين وتحويلهم إلى “ضيوف محترمين” يشاركوننا قهوة الصباح عبر الشاشة، هو الفعل الذي “قسم ظهر البعير”.
الهندسة النفسية: لقد أُريد للمشاهد العربي أن يألف وجه الجلاد، وأن يعتاد لغته، وأن يقبل بوجوده كـ “وجهة نظر” تقبل القسمة على اثنين. هذا الاختراق لم يكن إعلاميًّا بقدر ما كان “إعادة هندسة للعداء التاريخي”، حيث تم تمييع الصراع الوجودي وتحويله إلى “خلاف إجرائي” يُناقش ببرود تقني في استوديوهات فارهة، ما خلق انفصامًا حادًّا بين الواقع المرير على الأرض وبين “الرفاهة البصرية” التي تسوق للهزيمة.
سلطة التفاهة وتسونامي المحتوى الاجوف: بعد أن تم إنهاك العقل العربي بالصراعات، جاءت مرحلة “التخدير الشامل” عبر ما أسماه الفيلسوف آلان دونو “نظام التفاهة”. نحن نعيش اليوم في عصر “غثاء السيل”، حيث الكم يبتلع الكيف، والضجيج يغتصب الصمت المفكر.
إحصائيات التيه مع وجود أكثر من 1500 قناة فضائية وآلاف الصحف الإلكترونية التي تتناسل كالفطر، أصبح المحتوى العربي “سيولة لا ضفاف لها”. تشير التقارير الاستقصائية إلى أن 90% من الاستهلاك الرقمي العربي يتجه نحو “التفاهة المنظمة” (أخبار المشاهير، تحديات المنصات، وفضائح النجوم)، بينما تنزوي المعرفة الرصينة في أقبية النسيان.
اقتصاد “النقرة”: تحولت الصحافة من “سلطة رابعة” إلى “أداة تسويقية”، حيث أصبحت الحقيقة تُقاس بعدد “اللايكات” وليس بصدق المحتوى. هذا “المنطق التافه” خلق جيلًا من “العبيد المترفين” الذين يملكون أحدث التقنيات لكنهم يفتقرون إلى أبسط الأدوات النقدية، ما يجعلهم لقمة سائغة لأي “هندسة إعلامية” قادمة.
انكسار القلم في مهب السيولة: حتى الصحافة المكتوبة، التي كانت يومًا ما حارسة الوعي وقلعة المفكرين، سقطت في فخ “عبودية الرفاهة”.
تزييف الاستقلال: ادعت الصحف الاستقلالية بينما كانت تقتات على فتات التمويلات المشبوهة، فتحولت العناوين من “رصاصات تنوير” إلى “مساحيق تجميل” للأنظمة والأجندات العابرة للحدود.
الانحدار نحو “الأصفر”: لمواجهة خطر الانقراض، تبنت الصحف الرصينة “منطق التفاهة”، فأصبحت تغلف أخبارها بالإثارة الرخيصة، وتنازلت عن دورها القيادي لتصبح “تابعة” لخوارزميات التواصل الاجتماعي، ما أفقد الكلمة هيبتها والجملة عمقها، وصارت الأوراق مجرد “غلاف” لسلع استهلاكية لا تسمن ولا تغني من جوع.
إن الإعلام العربي اليوم يقف في “المنطقة الرمادية” بين الوجود والعدم. لقد نجحت “هندسة التفاهة” في تحويل المشهد إلى “أرخبيل من الأكاذيب” المترابطة، لكن التاريخ يعلمنا أن “زبد السيل يذهب جفاءً، وما ينفع الناس يمكث في الأرض”.
إن “عبودية الرفاهة” قد تأسر العيون ببريقها، لكنها لا تستطيع استعباد العقول التي قررت التحرر. إن استعادة الوعي تتطلب بناء “هرم معرفي” جديد، يتجاوز منطق “التريند” ويعيد الاعتبار للكلمة الصادقة كجبل راسخ لا تهزه رياح “التفاهة”.
إن معركتنا ليست مع التكنولوجيا، بل مع “الأجندة” التي تسكن التكنولوجيا. ويبقى التحدي الأكبر: هل نكسر قيود “الرفاهة الزائفة” لنبني إعلامًا يشبهنا، أم نظل غثاءً في سيل الآخرين؟
