مقالات الرأي

اليوم العالمي لحرية الصحافة

بقلم / محمد أبو بكر المعداني


في الثالث من مايو من كل عام، يحتفل العالم بما يُعرف باليوم العالمي لحرية الصحافة، وهي مناسبة أنيقة لتذكير الجميع بأن الحقيقة لا تمشي وحدها، بل تحتاج من يحميها، أو على الأقل من لا يعرقل طريقها. وتعود الحكاية إلى سنة 1991، حين اجتمع صحفيون في ناميبيا وأطلقوا “إعلان ويندهوك”، مطالبين بصحافة حرة ومستقلة وتعددية، وبعد عامين اعتمدت الأمم المتحدة هذا اليوم رسميًّا، ربما لتضع موعدًا سنويًّا نتذكر فيه ما لم يتحقق بعد.
في هذا اليوم تُرفع الشعارات الرنانة عن حرية التعبير وحق الصحافة في قول الحقيقة، وتُعاد العبارات ذاتها كل عام: “الصحافة سلطة رابعة”، و”الحقيقة لا تُقمع”، وهو كلام جميل يصلح للافتات والندوات والاحتفالات، لكن الواقع في كثير من الأحيان لا يقرأ اللافتات، ولا يكترث كثيرًا بالشعارات. فالصحفي في كثير من البيئات يجد نفسه أمام ثلاثة خيارات لا رابع لها: إما أن يكون مهددًا، أو ملاحقًا، أو “مرتاحًا” لأنه قرر أن يقول فقط ما يُطلب منه قوله. وهكذا تتحول الكلمة من رسالة إلى وظيفة، ومن موقف إلى “فقرة مدفوعة الثمن”، وتصبح المهارة الحقيقية ليست في كشف الحقيقة، بل في تزيينها بما يناسب المزاج العام أو المزاج الرسمي.
ولمن يُجيد هذا النوع من الأداء، فالمكافآت غالبًا جاهزة؛ رضا المسؤول، وابتسامة المدير، ومقابل مادي يساعده على مواصلة “التطبيل”، بينما في الجهة الأخرى تُمنح جائزة “غييرمو كانو” العالمية لحرية الصحافة من اليونسكو تكريمًا لصحفيين دافعوا عن الحقيقة، رغم أن الحقيقة نفسها في أماكن أخرى تُعامل كمتهم هارب.
والمفارقة المؤلمة أن حرية الصحافة في بعض الدول تشبه خدمة “الواي فاي” في المقاهي؛ موجودة لكن ضعيفة، وتنقطع فورًا عندما تحتاجها. ويقال دائمًا إن الصحافة سلطة رابعة، وهذا صحيح نظريًّا، لكن عمليًّا يبدو أننا طورنا نموذجًا جديدًا: ثلاث سلطات ورابعة “تحت المراقبة”.
ومن واقع تجربة تمتد لأكثر من ثلاثة عقود، يمكن القول إن حرية الصحافة ليست رفاهية ولا ترفًا فكريًّا، بل شرط أساسي لوجود الصحافة أصلًا، لأن الصحافة بلا جرأة ليست سوى نشرات جوية بلا طقس. فما يقتل الكاتب ليس نقص الموهبة، بل وجود “رقيب خفي” يجلس على حافة السطر، يراجع كل كلمة قبل أن تُكتب، ويشطب كل فكرة قبل أن تولد.
إن حرية الصحافة ليست أن تكتب ما يُعجب الآخرين، بل أن تكتب ما يجب أن يُقال، حتى لو لم يُعجب أحدًا. وهي ليست ديكورًا ديمقراطيًّا يُستخدم في المناسبات، بل اختبار يومي لقدرة السلطة على تحمّل الحقيقة.
وفي النهاية، لا بأس أن نحتفل، لكن الأجمل أن نسأل: هل نحتفل بحرية الصحافة.. أم نحتفل بذكراها؟
وكل عام والحقيقة تحاول النجاة.

زر الذهاب إلى الأعلى