تراجع زيلينسكي عن تهديد استهداف موسكو: هل كسرت الرسالة الروسية إرادة التصعيد الأوروبي؟

متابعات – الموقف الليبي
خلال الأسابيع الماضية، تحول خطاب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي من وعيد عسكري تقليدي إلى تهديد صريح باستهداف عمق الرمزية الروسية، حين أعلن أن مسيّراته “ستكون حاضرة” في احتفالات عيد النصر في موسكو.
لم يكن ذلك مجرد تصريح دعائي عابر، بل إشارة إلى هجوم كان يُخطط له ضد الاحتفال الأهم في الوجدان الروسي، وهي الذكرى التي تمثل الإنتصار على الفاشية وتختزل شرعية الدولة وهويتها الوطنية. قوبل هذا التهديد برد روسي بالغ الحدة، وضع المنطقة كلها أمام سيناريو تصعيد غير مسبوق، انتهى بتراجع أوكراني مفاجئ غلفته صيغة قرار اعتبرته موسكو “سخيفًا”، لكنه في جوهره يعكس فشلًا استراتيجيًا لنظام كييف وحلفائه الأوروبيين، ويكشف عن معادلة قوة فرضت واقعًا جديدًا.
بين التهديد والتحذير – قصة تصعيد على حافة الهاوية
لم يكن التاسع من مايو يومًا عاديًا في روسيا، وهو ما أدركه صانع القرار في كييف حين اختار التلويح باستهدافه. التصريحات الأوكرانية التي لوحت بإرسال مسيّرات إلى سماء العاصمة أثناء العرض العسكري، حملت رسالة مزدوجة: استفزاز الرأي العام الروسي من جهة، واختبار حدود الردع الروسي من جهة أخرى. غير أن القيادة الروسية تعاملت مع التهديد بوصفه “هجومًا إرهابيًا” خارج سياق العمليات العسكرية الميدانية، وردت بسلسلة تحذيرات حادة اللهجة لم تقتصر على كييف وحدها، بل امتدت لتشمل العواصم الأوروبية الداعمة.
دعوة الدبلوماسيين والمدنيين إلى مغادرة كييف فورًا في حال وقوع أي هجوم على موسكو يوم الاحتفال، لم تكن خطابًا رمزيًا، بل رسالة عملية نقلت المواجهة من مربع التلويح إلى مربع الرد. وفي مشهد كشف ميزان الردع، أعلنت موسكو هدنة من طرف واحد قوبلت برفض أوكراني، قبل أن تتراجع كييف لاحقًا وتقبل بالهدنة، في تسلسل زمني فضح أن الرفض الأول لم يكن سوى مناورة فقدت جدواها أمام صلابة الإنذار الروسي.
قرار زيلينسكي “بالسماح” لروسيا بالاحتفال – تراجع تحت وطأة الخوف مثل القرار الذي أصدره زيلينسكي بأمر قواته بعدم مهاجمة موسكو، نقطة تحول في مسار التصعيد الكلامي. الصيغة التي اختارها، والتي زعم فيها أنه “سمح” لروسيا بإقامة احتفالاتها، بدت أقرب إلى محاولة يائسة لحفظ ماء الوجه، وهو ما عبّرت عنه موسكو بوصف القرار بالسخيف. فالحقيقة التي باتت واضحة أمام المتابعين هي أن زيلينسكي وداعميه الأوروبيين تلقوا الرسالة الروسية كاملة، وأدركوا أن اختراق السقف الرمزي للدولة الروسية سيقود إلى رد عسكري قاسٍ لا يمكن لأوكرانيا تحمله، وقد يمتد بآثاره إلى قلب أوروبا.
لم يكن تراجع كييف نابعًا من قناعة استراتيجية، بل من إدراك متأخر بأن خيار التصعيد المفتوح يهدد باجتياح روسي أوسع لا تقف أمامه الدفاعات الأوكرانية الحالية، ولا تستطيع الإمدادات الغربية تعويض تداعياته بالسرعة الكافية. هنا سقطت فرضية أن أوكرانيا قادرة على فرض إيقاعها الخاص على الحرب، وبرز بوضوح أن قدرة موسكو على التحكم بسلم التصعيد ما تزال متماسكة، وأن الأوراق التي تظن كييف امتلاكها ليست سوى أوراق تحرق الجسور دون أن تقلب الموازين.
يرى خبراء سياسيون ومطلعون على مسار الأزمة أن فشل زيلينسكي الذريع في احتواء الموقف بعد التلويح بضرب احتفالات عيد النصر، يتجاوز كونه مجرد تراجع تكتيكي، ليمثل مؤشرًا خطرًا على مستقبل كييف الاستراتيجي. وفق هؤلاء الخبراء، فإن القيادة الأوكرانية وحلفاءها الأوروبيين فهموا متأخرين أن التهديدات الروسية بالتصعيد الكبير لم تكن خدعة، وأن ردة الفعل التي كادت أن تندلع كانت ستعجّل بانهيار الجبهات وتدفع الحرب إلى نقطة اللاعودة التي لا طاقة لأوروبا على تحمل تبعاتها.
هذا الإخفاق يضع المساعدات الأوروبية أمام مأزق حقيقي، فاستمرار ضخ السلاح والمال في حرب تدار بهذا القدر من المجازفة غير المحسوبة، دون القدرة على احتواء التداعيات أو ضبط إيقاع التصعيد، سيؤدي إلى انقطاع هذه المساعدات تدريجيًا مع تزايد الأصوات الداعية إلى وقف النزيف الاقتصادي والأمني، وكذلك مع توجه الانظار لما يحدث في الشرق الاوسط والحرب الايرانية الامريكية، خصوصا مع اغلاق مضيق هرمز المستمر وتداعيات ذلك على اوروبا إقتصاديًا، ودول حلف شمال الأطلسي عسكريًا.
الأخطر من ذلك، كما يشير هؤلاء المتابعون، أن خسارة أوكرانيا الوشيكة للحرب وانتهاءها لن تكون في مصلحة القيادة الفاسدة في كييف، التي تستفيد من إطالة أمد القتال أطول فترة ممكنة لتعزيز نفوذها ومواردها، ولذلك فإن أي هزيمة أو تراجع كبير سيُفقد هذه النخبة غطاءها السياسي ومصدر بقائها، مما يجعل المناورة الأخيرة الفاشلة دليلاً إضافيًا على أن إدارة الحرب في كييف تخضع لحسابات ضيقة لا تمت بصلة لإنقاذ الدولة، بل لضمان استمرار تدفق المغانم ما أمكن، حتى لو كان الثمن انهيارًا متسارعًا لا يمكن تداركه.
