قطاع النفط بين الرواية الرسمية والوثائق

يعد قطاع النفط العمود الفقري للاقتصاد الليبي، والمصدر شبه الوحيد للإيرادات العامة، إلا أن هذا القطاع الحيوي يعيش منذ سنوات حالة من الاضطراب البنيوي، تتجاوز الأزمات الفنية الظرفية إلى خلل عميق في الإدارة والرقابة والحوكمة.
وخلال تتبع صحفي، حصلت صحيفة الموقف الليبي على وثائق رسمية، ومراسلات داخلية، وبيانات مالية حكومية، تكشف فجوة خطيرة بين التصريحات المعلنة من قبل المؤسسة الوطنية للنفط، وبين واقع مالي وإداري مختلف تمامًا داخل الملفات الرسمية للدولة.
هذا التحقيق لا يتناول أزمة نقص موارد، بل يرصد منظومة إدارة مختلة، وتضاربًا في الصلاحيات، وغيابًا شبه كامل للرقابة الفاعلة، ما جعل قطاع النفط عرضة للهدر، والتسييس، والاختطاف المؤسسي.
إدارة بلا كفاءة ومنظومة اختيار معطوبة
تكشف المعطيات التي جمعتها الصحيفة أن إحدى أخطر أزمات قطاع النفط تكمن في آلية اختيار قياداته العليا، سواء داخل المؤسسة أم في الشركات المملوكة كليًّا أو جزئيًّا لها.
فالقطاع الذي يفترض أن يدار بفريق متكامل من الخبراء في مجالات متعددة، بات يخضع في كثير من الأحيان لعقلية فردية، أو لتوازنات اجتماعية وجهوية، بعيدًا عن معايير الخبرة والكفاءة.
وتشير المعلومات إلى أن عددًا من التعيينات في مواقع حساسة جرى على أسس قبلية أو جهوية، خصوصًا في شركات تعمل ضمن نطاق الهلال النفطي، في محاولة لإرضاء اعتبارات اجتماعية على حساب المصلحة العامة.
هذا النهج أدى إلى بنية إدارية هشة، غير قادرة على التخطيط الاستراتيجي، أو إدارة الأزمات، أو الحفاظ على ثقة الشركاء الدوليين، وأبرز مظاهر ذلك التخبط في إدارة التسويق الدولي.
ملف إدارة التسويق
من بين أخطر الملفات التي رصدها التحقيق، ملف إدارة التسويق الدولي بالمؤسسة الوطنية للنفط، باعتباره الواجهة الخارجية للنفط الليبي في الأسواق العالمية. وتكشف الوثائق عن حالة من التخبط غير المسبوق في اختيار مديري هذا القطاع، وصلت في آخر فصولها إلى تعيين طبيب أسنان لإدارة تسويق النفط الخام، في واقعة وصفت داخل القطاع بالمهزلة الإدارية.
ولا تتوقف الأزمة عند هذا الحد، إذ توثق الصحيفة إصرارًا متواصلًا على التعامل مع شركات سمسرة، خاصة في دولة الإمارات، رغم التحذيرات المتكررة من خطورة الوسطاء على شفافية عمليات البيع، وتأثيرهم المباشر على تقليص العائدات.
هذا التخبط أضر بمصداقية المؤسسة، وأضعف قدرتها التفاوضية، وفتح الباب أمام ممارسات غير شفافة في واحدة من أكثر حلقات القطاع حساسية.
شركات مشبوهة وتكليف مباشر
تكشف الوثائق التي اطلعت عليها الصحيفة عن عودة شركات سبق تصنيفها كمفلسة أو متعثرة أو مشبوهة لتنفيذ مشاريع استراتيجية كبرى، من بينها مشاريع مصافٍ وتطوير حقول نفطية.
وتظهر البيانات أن هذه الشركات حصلت على عقود عبر آلية التكليف المباشر، دون مناقصات عامة، ودون تقييم فني حقيقي، في مخالفة صريحة للوائح التعاقد المعمول بها في القطاع النفطي.
وقد أسهم هذا النهج في تعثر المشاريع الاستراتيجية، وتضخم التكاليف، وارتفاع المديونية، وتراجع الكفاءة التشغيلية، في ظل غياب شبه كامل للمتابعة الفنية والمالية، وتحول العقود إلى أدوات استنزاف للميزانيات بدلًا من تطوير البنية التحتية.
ديون متراكمة ومشاريع بلا نتائج
تشير المعلومات التي توصلت إليها الصحيفة إلى أن الديون الضخمة التي تثقل كاهل الشركات النفطية لم تنشأ فقط بسبب تقلبات الإنتاج، بل نتيجة مباشرة لعقود فاسدة، وعدم متابعة تنفيذ المشاريع أولًا بأول.
وتظهر ملفات داخلية أن مشروعات رصدت لها مليارات الدنانير لم تنفذ بالشكل المخطط، أو توقفت في مراحلها الأولى، دون مساءلة حقيقية، ودون استرجاع للأموال المصروفة.
في المقابل، تغيب آليات المحاسبة، سواء داخل المؤسسة أو لدى الجهات الرقابية المعنية، ما يجعل من الهدر المالي مسارًا مكرسًا لا استثناءً.
مراسلات بلا أثر وتمرد على قرارات المؤسسة
من بين الوثائق التي حصلت عليها الصحيفة مراسلات رسمية صادرة عن المؤسسة الوطنية للنفط، تطالب الشركات التابعة بالالتزام بلوائح التعاقد، وإعادة طرح عقود الخدمات عبر مناقصات عامة دورية، ومنع التمديد الصوري.
غير أن شهادات موثقة من داخل القطاع تؤكد أن عددًا من الشركات النفطية رفض تطبيق هذه التعليمات، في ظل ضعف رقابي فني ومالي، جعل هذه المراسلات مجرد ذر للرماد في العيون.
وتكشف الوقائع أن المؤسسة تفتقر إلى أدوات تنفيذ حقيقية، وأن الشركات المملوكة كليًّا أو جزئيًّا تتصرف باستقلال شبه كامل، دون محاسبة.
استنزاف الميزانيات ومظاهر ترف غير مبررة
في الوقت الذي تتحدث فيه المؤسسة عن شح التمويل، ترصد الصحيفة مظاهر استنزاف صارخة للميزانيات، من بينها:
شراء سيارات فخمة وفارهة دون مبرر تشغيلي، واحتفاظ مدراء وأعضاء مجالس إدارات بسيارات الشركات بعد خروجهم من مناصبهم، وامتلاك بعضهم لثلاث سيارات أو أكثر.
ويتزامن ذلك مع إهمال واضح للعاملين في الحقول النفطية، خصوصًا في مجالات التموين والتنقل داخل الصحراء، ما يعكس اختلالًا أخلاقيًّا ومؤسسيًّا عميقًا.
شركة زلاف وخرق الموطن القانوني
يمثل ملف شركة زلاف نموذجًا صارخًا للتخبط الإداري، حيث لا تزال الشركة تدار من طرابلس رغم أن موطنها القانوني هو سبها. هذا التلكؤ المستمر في نقل مقر الشركة يشكل مخالفة قانونية صريحة، ويعكس تجاهلًا للتوازن التنموي، وغيابًا للإرادة الإدارية في تصحيح أوضاع معروفة.
مليارات معتمدة ورواية شح التمويل
بلغ التناقض ذروته مع تصريحات رئيس المؤسسة الوطنية للنفط، مسعود سليمان، الذي أعلن أن المؤسسة لم تتسلم ميزانيات تشغيلية أو تنموية خلال عام 2025 باستثناء بند المرتبات.
غير أن وثائق حكومية رسمية حصلت عليها الصحيفة تكشف صورة مغايرة تمامًا، إذ تظهر برنامجًا ماليًّا معتمدًا عام 2022 لتغطية التزامات المؤسسة، وفي العام نفسه تم إقرار ميزانية استثنائية بقيمة 34.2 مليار دينار، وترتيبات مالية تجاوزت 23 مليار دينار خلال عامي 2023 و2024، فضلًا عن مخصصات هدفت صراحة إلى رفع الإنتاج إلى مليوني برميل يوميًّا.
ورغم ذلك، لم يتحقق الهدف الاستراتيجي المعلن، ولم تعلن المؤسسة تفاصيل أوجه الصرف الفعلي، في مخالفة صريحة لمبدأ الشفافية.
الدفع بالإنابة والمقايضة.. أبواب خلفية للإيرادات
يرصد التحقيق توسعًا في استخدام آليات مثل المقايضة، ونظام الدفع بالإنابة، الذي يسمح لشركات أجنبية بتمويل مصروفات شركات محلية مقابل الحصول على شحنات نفط خام.
ورغم تبرير هذه الآليات بأنها قانونية ومحدودة، فإن نتائجها العملية تعني بيع النفط خارج القنوات التقليدية. وهذا ما صرح به رئيس مؤسسة النفط السابق فرحات بن قدارة فيما يعرف بـ«المبادلة»، وهو ما يعد مخالفًا قانونيًّا، إلا أنه اعتمدها كأسلوب عمل، ما أدى إلى تقليص دور المؤسسة في السيطرة على الإيرادات، وهو ما يتقاطع مع بيانات مصرف ليبيا المركزي حول التدني الحاد في عائدات النفط.
كما همّش ذلك دور إدارة التفتيش والمتابعة، التي يقع ضمن اختصاصها الأصيل تتبع الإيرادات الناتجة عن الشحنات التي يتم تصديرها.
اعترافات رسمية وتوصيف أسباب الانهيار
الأخطر في هذا المسار هو اعتراف رئيس المؤسسة بتصرفه في إيرادات النفط، مبررًا ذلك بانخفاض المصروفات التشغيلية، وهو ما يثير شبهة تجاوز القانون المالي للدولة، ويصنف كهدر للمال العام.
كما عزا التدني الحاد في الإيرادات إلى ثلاثة عوامل رئيسية، هي:
تمدد شركة أركنو في حصص الإنتاج، وفساد نظام المقايضة بالمواد الخام مقابل المحروقات، مما ابتلع المليارات دون أن يدخل خزينة الدولة درهم واحد، إضافة إلى نظام الدفع بالإنابة الذي يتيح بيع النفط بعيدًا عن المؤسسة.
ومن بين الشركات التي تعمل بهذا الأسلوب: مليتة، والزويتينة، وأكاكوس، وأجوكو، حيث تبيع النفط بعيدًا عن المسار الرسمي، ما حول القلاع النفطية إلى إقطاعيات خاصة لأفراد وجماعات مستفيدة ونافذة، بعيدًا عن الأطر القانونية المنظمة.
وفي ظل هذا المشهد المتشابك من ضعف الحوكمة، وتضارب التصريحات، وغياب الشفافية حول إدارة الإيرادات النفطية، يبرز ملف تهريب النفط كأحد أخطر تجليات الاختلال المؤسسي داخل القطاع.
فحين تفقد المنظومة قدرتها على الضبط والرقابة، لا يبقى التهريب فعلًا هامشيًّا أو معزولًا، بل يتحول إلى نشاط منظم عابر للحدود، يستنزف المال العام، ويقوض الاستقرار الداخلي، ويدفع بالثروة الوطنية إلى خارج الوثائق الرسمية.
تهريب النفط.. من الظاهرة المحلية إلى الجريمة العابرة للحدود
لا يكاد يمر يوم دون أن يطفو على السطح خبر جديد عن تهريب النفط الليبي، ذلك المورد الاستراتيجي الذي بات جزء كبير منه خارج الوثائق الرسمية، ويجري التعامل معه كخزان مال سائب، بلا مالك واضح، ولا رقابة فاعلة، في ظل الانقسام الحاد داخل مؤسسات الدولة.
وتشير تقديرات متباينة إلى حجم هذه التجارة غير المشروعة، غير أن تحقيقًا مطولًا نشرته بلومبيرغ يضع أرقامًا صادمة، إذ خلص إلى أن ما يقارب 40 في المئة من الوقود الذي تستورده ليبيا يتسرب عبر شبكات التهريب.
وفي ليبيا، تعزز هذه الصورة تصريحات رسمية، من بينها ما كشفه رئيس ديوان المحاسبة، خالد شكشك، عن تضخم برنامج دعم الوقود ليصل إلى 62 مليار دينار في عام 2022، مع تهريب ما يقارب 40 في المئة منه.
كما أشار إلى ضعف النظام المحاسبي داخل مؤسسة النفط، وغياب رؤية شاملة لما تقوم به الشركات التابعة، ما جعل التهريب نتيجة مباشرة لسياسات دعم غير منضبطة، ورقابة شكلية.
وتكتسب هذه الوقائع خطورتها القصوى حين يتضح أن تهريب الوقود لا يستنزف المال العام فقط، بل ينعكس مباشرة على الاستقرار الداخلي. فقد أدى نقص الوقود الناتج عن التهريب إلى احتجاجات واسعة، وإغلاقات لحقول استراتيجية مثل حقل الشرارة، مما قد يتسبب في اضطراب الأسواق العالمية وارتفاع أسعار النفط.
بهذا المعنى، لم يعد تهريب النفط الليبي جريمة اقتصادية معزولة، بل بات ملفًّا سياديًّا يمس الأمن والاستقرار ومكانة ليبيا في الأسواق الدولية، ويكشف بوضوح أن غياب الحوكمة داخل قطاع النفط فتح الباب أمام تدويل الفساد وتحويل الثروة الوطنية إلى وقود للجريمة المنظمة.
إن اعتماد دعم الوقود منذ عقود، دون تطوير موازٍ لمنظومة التتبع والمحاسبة، خلق فجوة كبيرة بين حجم الواردات والاستهلاك الفعلي. هذه الفجوة، التي كان يفترض أن تخضع لأقصى درجات التدقيق من قبل المؤسسة الوطنية للنفط، تحولت إلى مسار مفتوح للتهريب، في ظل غياب أنظمة رقابة فعالة على حركة الوقود بعد خروجه من الموانئ والمستودعات، وضعف التنسيق بين المؤسسة وشركاتها التابعة، وعلى رأسها شركة البريقة.
وتشير تقارير صادرة عن منظمة سينتري إلى أن السيطرة على نقاط التهريب لم تعد نتيجة فراغ أمني فقط، بل ثمرة بيئة مؤسسية سمحت بتداخل المصالح بين إدارات تنفيذية ضعيفة وقوى مسلحة نافذة.
فحين تعجز المؤسسة الوطنية للنفط عن فرض قراراتها أو مراقبة مسار الوقود، تتحول السيطرة على المستودعات ومسارات النقل والمنافذ البحرية إلى مورد نفوذ سياسي وعسكري، لا إلى خدمة عامة.
الأرقام نفسها تعكس هذا الخلل البنيوي. فارتفاع واردات الوقود من نحو 20.4 مليون لتر يوميًّا إلى أكثر من 41 مليون لتر، دون أي تفسير اقتصادي مقنع، يكشف غياب التخطيط الرشيد، وتراخيًا واضحًا في تدقيق الطلبات، وعدم ربط الاستيراد بمؤشرات الاستهلاك الفعلي.
هذا التضخم في الواردات لا يمكن فصله عن ضعف الإدارة داخل المؤسسة الوطنية للنفط، التي يفترض أن تكون الجهة السيادية الضابطة لسلسلة التوريد بأكملها.
إضافة إلى ذلك، يتمثل الخطر في استنزاف الحقول المنتجة، مثل حقل السرير والحمادة، وتدمير المكامن من خلال إرهاق الحقول بضخ النفط فوق قدرة الآبار، مما يسرع من انتهاء عمرها الافتراضي.
كما أن عدم العمل على استكشاف حقول نفطية جديدة لتعويض الآبار المستنزفة يعكس تجاهلًا لقاعدة أساسية مفادها أن «التسويق يسبقه الاستكشاف».
تكشف الوقائع التي عرضها هذا التحقيق أن أزمة قطاع النفط الليبي ليست أزمة موارد، بل أزمة إدارة وغياب مساءلة. مليارات اعتمدت وصرفت، وآليات استحدثت خارج الضبط المؤسسي، وتهريب تمدد في ظل ضعف الحوكمة وتضارب الصلاحيات.
وبين تصريحات رسمية متناقضة وملفات مغلقة، تتآكل الثقة في أكبر قطاع اقتصادي في البلاد.
إن استمرار هذا المسار لا يهدد المال العام فقط، بل يقوض الاستقرار السياسي والاجتماعي.
ويبقى السؤال معلقًا: هل تتحرك مؤسسات الدولة لفرض الشفافية والمحاسبة، أم يظل النفط الليبي رهينة منظومة فاسدة بلا رقيب؟Tools
