مقالات الرأي

الجريمة والعرف


بقلم / محمد عبدالهادي بوديه


لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، ولا يحتج بالجهل بالقانون، مادتان في قانون العقوبات الليبي تلخصان الفكر القانوني الراقي الذي يجب أن يكون عليه أفراد المجتمع، المجتمع الذي هو المصدر الأساسي لتحديد الجريمة والعقوبة التي تليق بها.
إن مجموع المعتقدات الدينية وما اتفق عليه الأفراد من القواعد العرفية هي المادة الخام في تصنيف الأفعال المجرمة والعقوبة، ونتيجة لهذا لا يستطيع أحد من أفراد هذا المجتمع أن يدعي جهله بهذه المعتقدات والأعراف التي شكلت النواه الأولى في التشريعات الوضعية.
لكن، ويا للأسف الشديد، قد يكون المجتمع الذي هو مصدر لحماية وأمن أفراده هو سبب نقمته وذعره، ذلك بسبب تجاهله، وليس بسبب جهله للقواعد التي أرساها.
مجتمعنا لأنه أصبح مسخا يتستر ويداهن المجرم ضاربًا بكل القوانين التي تجرم وتعاقب عرض الحائط، بل وفوق كل ذلك يرتكب جرمًا آخر بحصاره للضحية ووضعها في دائرة المسؤولية التقصيرية عن كل ما حدث لها.
إن عرفنا أصبح سجنًا كبيرًا للضحية بدل أن يكون سترًا لها وملاذها الأول، وبدلًا من أن ينبذ الجريمة وفاعلها وأحيانا حتى الممتنع الذي يعتبر كالفاعل إذا لم يحل دون وقوع الجريمة التي يفرضها القانون للحيلولة دون وقوعها أصبح ينبذ من وقعت عليه الجريمة.
ينقسم مجتمعنا المثالي إلى أفراد، كل مجموعة من هذه الأفراد يتقدمها شخص يدعي الحكمة والدهاء أو يدعى له بذلك، ويكون هذا مشروطًا بأن يقدم للمجرم الخلاص أو أقل الضررين من العقوبة المادية أو الجسدية.
تناولت رواية الجريمة والعقاب للكاتب الروسي دوستويفسكي فلسفة خطيرة مفادها أن بعض الأشخاص يحق لهم تجاوز القوانين الأخلاقية إذا كان هدفهم (ساميًا) حسب ادعائهم.

زر الذهاب إلى الأعلى