مقالات الرأي

الوعي بالقانون وعي بالمسؤولية


بقلم / المهدي الفهري


العلاقة بين هيبة الدولة وهيبة القانون علاقة ارتباط وظيفي يجمع بين متغيرين يتأثر كلٌّ منهما بالآخر سلبًا وإيجابًا، ومقياس النجاح لأي سلطة سياسية هو مقدار ما تحققه لمواطنيها من إنجازات وكرامة وسيادة في مناخ مستقر وآمن، ولا يختلف اثنان عاقلان على أن سياسة الهروب من المساءلة هي السبب الرئيس الذي يسهم في اتساع دائرة الفساد، ويزيد من وتيرة العنف والانحراف، فالدولة تستمد هيبتها من خلال تقاطع المسؤوليات ونجاحها في التطبيق الصارم للقانون وفرض احترامه على الجميع دون استثناء وعن طريق الإقناع والإدماج والردع المشروع عند اللزوم، وهذا ما يعزز من تفعيل القوانين وتنفيذها، فغياب العقوبات الرادعة وتخطي نصوص القانون بكل سهولة يسهم في فلتان الإدارة واختلال وظائفها، وينعكس على ضياع مصالح الناس وإهدار حقوقهم، ما يدخل البلاد في تخبط كبير وتفكك يهدد وحدة الأمة ويعبث بمصيرها، ويجعلها عرضة للسلب والسطو من قِبل الحذاق واللصوص وأصحاب النفوس الضعيفة التي لا تستطيع البقاء في دولة القانون والمؤسسات ولا العيش إلا في ظل الفوضى وانعدام النظام.
ورغم قناعاتنا بأن تفعيل القانون ليس بالعقاب فقط، بل من خلال زيادة مستوى الوعي والتحليل والفهم والتعرف على الأسباب الكامنة وراء المخالفات وطرق معالجتها واعتماد التفكير العقلاني بدلًا من الاكتفاء بالأوامر والنواهي، فالوعي بالقانون وعي بالمسؤولية وأساس هيبة الدولة والاستقرار المجتمعي، ويُعد من أهم أنواع الوعي، وهو دليل على انتهاج سلوك راقٍ ومتحضر في السلم الحضاري إلى جانب الوعي الاجتماعي الذي ينعكس على الوعي المعنوي والنفسي وعلاقته بالحفاظ على المصلحة العامة والمساهمة في نمو المجتمع وتقدمه، والقانون ليس قيدًا ولا وسيلة للتسلط كما يراه البعض، وليس أداة للقمع كما يظنه البعض الآخر، بل حماية وضرورة لتقويم السلوك والممارسات غير السوية للأفراد والمؤسسات، والتزام وممارسة لفرض سياسات الدولة العامة وضبط السلوك الاجتماعي وكسب ود وتقدير المجتمع من خلال فرض هيبته وبسط نفوذه الحقيقي بالتنفيذ الكلي لمضامينه وتعزيز ثقة المواطن في مؤسساته، فالقوانين تكتسب احترامها من مضامين أحكامها ومن التناغم بين مصداقية الخطاب وجدية العقاب عند المخالفة، مع وضوح آليات والتزامات الطرف المعني بالتطبيق والمحاسبة، في حين أن ما يضعف هيبة القوانين ويهز من إلزامية قواعدها ما يترتب على السلوكيات اليومية للأفراد من خرق متعمد لنصوصها بدافع القدرة على الإفلات من المتابعة وحملات التشكيك والضبابية وكثرة المحسوبيات التي تنعكس سلبًا على أداء القانون والقائمين عليه، والتي عادة ما تكون نتاجًا طبيعيًّا لقلة الوعي ولعدم اتخاذ قرارات حاسمة في قضايا مشابهة، ما يضاعف من حجم الانتهاكات وتكرارها، ويمس بهيبة القانون والدولة معًا.

زر الذهاب إلى الأعلى